التدبر

اعتدنا أن نقرأ القرآن في اشهر رمضان الماضية قراءة إنجاز للحصول على فضائل الكريم سبحانه، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله ” ..من قرأ حرفا .”. وهذا خير عظيم لكن علينا أن نستوعب جيدا أن الغاية من نزول هذا القرآن هو التدبر لصلاح القلوب، فإن القرآن أول ما نزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم: (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِين)[البقرة: 97]، فإذا ضم هذا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: “ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب” تبيّن هذا بوضوح.

ولهذا لما قال رجلٌ لابن مسعود: إني لأقرأ المفصل في ركعة! فقال عبد الله: «هذا كهذ الشعر؟! إن أقواماً يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع” فلنبدأ رمضاننا هذا بطلب الفتح من الله أن يمن علينا بتدبر القرآن الكريم.

التدبر معنى تدبر القرآن فهو : التفكر والتأمل لآيات القرآن من أجل فهمه ، وإدارك معانيه ، وحكمه ، والمراد منه الخضوع لأوامره واليقين بأخباره.
لماذا التدبــــــــــــر ؟

تدبر القرآن امتثالا لقول الحق تبارك وتعالى في كتابه :
( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها )
وفي قوله : ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا )
وكذلك في قول الله عز وجل : ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبوا آياته وليتذكر أولوا الألباب )
والتدبر أمر عظيم أهمله المسلمون في العصور المتأخرة ولعل هذا هو أحد أسرار تخلفهم في هذا العصر ، فعندهم كتاب عظيم لكنهم لا يفهمونه ولا يعقلونه ولا يُخالط قلوبهم ولا يغير حياتهم . فعلينا أن نعيش مع القرآن ونهتم به تدبرا وتذكرا وأتعاظا وعملا.

لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية صاحب المؤلفات الكبيرة والمعروفة ماذا قال في آخر حياته قال: لو عاد بي الزمان لما انشغلت إلا بمعاني القرآن.

نحتاج أن نعرف عظيم هذا القرآن قبل الولوج في تلاوته:

أولا : نحن نعلم أن سمع الله ليس له حد وسمعه يليق بعظمته وكبريائه سبحانه وبصره ليس لحد وبصره يليق بعظمته وكبريائه سبحانه، وكذلك يا أحبة كلام الله لذلك قال سبحانه (فإنما يسرناه بالسانك) فلو لم ييسره الله لنا لما استطعنا نطقه وتلاوته ،

ثانيا : نحتاج أن نقبل على القرآن تحببا وليس تخلصا يعني هدف التلاوة هو أخذ الهدايات من الآيات القرآنية قبل الانتهاء من الورد ..والآية التي يفتح الله علينا فيها نكثر من ترددها ..

كيف يكون ذلك؟

أولا : الاستمتاع بالآية التي نحب تردادها جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم قام ليلة بآية يرددها وهي قوله تعالى : {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . فقد جاء في صحيح البخاري أن رجلا من الأنصار كان يؤمهم وكان كلما فرغ من قراءة الفاتحة بقراءة سورة ( قل هو الله أحد ) ويكررها وكان الذين يصلون خلفه يعلمون أن هذا من خيرهم وأفضلهم فكانوا يكرهون أن يؤمهم غيره ولكن مع ذلك كان في قلوبهم شيء من وراء تكراره لهذه السورة ( قل هو الله أحد ) فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه فسأله عن السبب فقال : إني أحبها قال : حبك إياها أدخلك الجنة).

بعد الاستمتاع تلقائيا يتحرك الفضول العقلي للتعرف على مراد الله من هذه الآية فيكون البحث عن الكلمات الغير واضحة ثم استقبال أي آية من كتاب الله والقرآن فيه ثلاثة أساليب إما مباشر أو شبه مباشر أو غير مباشر ثم  الشعور بيقين أن الله يخاطبنا ويكلمنا بما نقرأ مع أهمية الشعور بمؤانسة القرآن الكريم و الفرح عند القراءة لأن الله بعد أن قال عن كتابه (ياأيها الناس قد جاءتكم ..) مع استشعار أنك في حضرت كلامه سبحانه فتجلس وتستشعر برسائل الله لك متسائلا ماذا يريد الله أن يبلغني اليوم فمثلا عندما نقرأ الحمد لله رب العالمين باستمتاع ثم أعملنا العقل في التفكر بتذكر النعم علينا فلا يملك القلب إلا بالانكسار بين يدي الله . فيتحول القلب من قاس إلى لين (إنما المؤمنين الذين إذا ذكر الله .. فيحدث الشفاء للقلب (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين..) فكيف لجبل يخشع وقلوبنا ما تزال على قساوتها (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ..) ثم نقرأ القرآن بأنفاس من نزل عليه القرآن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مستشعرين عظمة نزوله على نبينا في رمضان ومدارسة جبريل له ثم يتهيآ القلب ويستعد للاستجابة الربانية (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا ..)بعد الاستجابة يأتي التذكر  (كتاب أنزلناه…)، وإذا أخذت تقرأ ولم تجد من هدايات القرآن فراجع قلبك (ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ..) (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق).

فلنسعد بتلاوة القرآن هذا الشهر بأن نعكف بقلوبنا قبل ألسنتنا وبأن نحدق بالنظر والتأمل والتفكر بناظر القلب على كلام العظيم المتكلم سبحانه.

ملتمسين طريقا عظيما بأن نكون قرآنا يمشي على الأرض..

( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام..) فلنحول التقوى إلى عمل نبدأه بتدبر القرآن الكريم..

 

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

انشر.. وشارك من تحب الخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال