الوصية بالجار

إذا بلغت مسامعنا وصية، وهي وصية أحب النّاس إلى قلوبنا، ممن حباه الله خبرة في الحياة، أو سعة في العلم، أو إدراكاً للحكمة: أباً كان أم أماً أو غيرهما ممن نحبهم ويعز علينا، ثم أخذ موصينا يردد وصيته هذه، يلح بها على مسامعنا.. ألا يدل بذلك على أهميتها، والتنبيه على الأخذ بها؟

قال الله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا)

.. عندما يأمر تبارك وتعالى بعبادته وحده لا شريك له; فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الآنات والحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه، ولا يشركوا به شيئا من مخلوقاته، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: “أتدري ما حق الله على العباد؟ “قال: الله ورسوله أعلم. قال: “أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا “، ثم قال: “أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ ألا يعذبهم ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين، فإن الله، سبحانه، جعلهما سببا لخروجك من العدم إلى الوجود، وكثيرا ما يقرن الله، سبحانه، بين عبادته والإحسان إلى الوالدين، كقوله: (أن اشكر لي ولوالديك) [لقمان: 14] وكقوله: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) [الإسراء: 23].

ثم عطف على الإحسان إلى الوالدين الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء، كما جاء في الحديث: “الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة “.

ثم قال: (واليتامى) وذلك لأنهم قد فقدوا من يقوم بمصالحهم، ومن ينفق عليهم، فأمر الله بالإحسان إليهم والحنو عليهم.

ثم قال: (والمساكين) وهم المحاويج من ذوي الحاجات الذين لا يجدون ما يقوم بكفايتهم، فأمر الله بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم وتزول به ضرورتهم. وسيأتي الكلام على الفقير والمسكين في سورة براءة.

وقوله: (والجار ذي القربى والجار الجنب) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (والجار ذي القربى) يعني الذي بينك وبينه قرابة، (والجار الجنب) الذي ليس بينك وبينه قرابة. وكذا روي عن عكرمة، ومجاهد، وميمون بن مهران، والضحاك، وزيد بن أسلم، ومقاتل بن حيان، وقتادة.

وقال أبو إسحاق عن نوف البكالي في قوله: (والجار ذي القربى) يعني المسلم (والجار الجنب) يعني اليهودي والنصراني رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.

وقال جابر الجعفي، عن الشعبي، عن علي وابن مسعود: (والجار ذي القربى) يعني المرأة. وقال مجاهد أيضا في قوله: (والجار الجنب) يعني الرفيق في السفر.

وقد وردت الأحاديث بالوصايا بالجار، فنذكر منها ما تيسر، والله المستعان:

الحديث الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمر بن محمد بن زيد: أنه سمع أباه محمدا يحدث، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه “.

أخرجاه في الصحيح من حديث عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، به.

الحديث الثاني: قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن داود بن شابور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه “.

وروى أبو داود والترمذي نحوه، من حديث سفيان بن عيينة، عن بشير أبي إسماعيل – زاد الترمذي: وداود بن شابور – كلاهما عن مجاهد، به ثم قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه وقد روي عن مجاهد عن عائشة وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

الحديث الثالث عنه: قال أحمد أيضا: حدثنا عبد الله بن يزيد، أخبرنا حيوة، أخبرنا شرحبيل بن شريك أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره “.

ورواه الترمذي عن أحمد بن محمد، عن عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح – به، وقال: [حديث] حسن غريب.

الحديث الرابع: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يشبع الرجل دون جاره “. تفرد به أحمد.

الحديث الخامس: قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري، سمعت أبا ظبية الكلاعي، سمعت المقداد بن الأسود يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: [“ما تقولون في الزنا؟ “قالوا: حرام حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم] لأن يزني الرجل بعشر نسوة، أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره “. قال: ما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرمها الله ورسوله فهي حرام. قال “لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات، أيسر عليه من أن يسرق من جاره “.

تفرد به أحمد وله شاهد في الصحيحين من حديث ابن مسعود: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: “أن تجعل لله ندا وهو خلقك “. قلت: ثم أي؟ قال: “أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك “. قلت: ثم أي؟ قال: “أن تزاني حليلة جارك “. [منقول عن تفسير ابن كثير].

 

أما الأحاديث الواردة في فضل الزيارة في الله فمنها:

1- وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين في وللمتجالسين في وللمتزاورين في وللمتباذلين في) رواه مالك وفي رواية الترمذي قال (يقول الله تعالى (المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء) صححه الألباني في مشكاة المصابيح حديث رقم (5011)

2-عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله ناداه منادٍ بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا) رواه ابن ماجه والترمذي واللفظ له وابن حبان وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب حديث رقم (2578)

3- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن رجلاً زار أخاً له في قريةٍ أخرى فأرصد الله على مدرجته ملكاً فلما أتى عليه قال أين تريد قال أريد أخاً لي في هذه القرية قال هل لك عليه من نعمة تربها قال لا غير أني أحبه في الله قال فإني رسول الله إليك إن الله قد أحبك كما أحببته فيه) رواه مسلم

4- وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ألا أخبركم برجالكم في الجنة قلنا بلى يا رسول الله قال النبي في الجنة والصديق في الجنة والرجل يزور أخاه في ناحية المصر لا يزوره إلا لله في الجنة) رواه الطبراني وقال الألباني حسن لغيره صحيح الترغيب والترهيب حديث رقم (2580)

5- وعن أنس قال مر رجل بالنبي صلى الله عليه وسلم وعنده ناس. فقال رجل ممن عنده إني لأحب هذا في الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أعلمته؟) قال لا. قال (قم إليه فأعلمه) فقام إليه فأعلمه فقال أحبك الذي أحببتني له. قال ثم رجع. فسأله النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما قال. فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أنت مع من أحببت ولك ما احتسبت) رواه البيهقي في شعب الإيمان. وفي رواية الترمذي (المرء مع من أحب وله ما اكتسب)

6- وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ما من عبد أتى أخاه يزوره في الله إلا ناداه ملك من السماء أن طبت وطابت لك الجنة وإلا قال الله في ملكوت عرشه عبدي زار في وعلي قراه فلم يرض له بثواب دون الجنة) رواه البزار وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب حديث رقم (2579)..  [منقول عن بعض المواقع الإلكترونية].

 

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

انشر.. وشارك من تحب الخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال