الأدب الغائب

سؤال: ماهو حالنا مع الأدب؟ وما حظ أولادنا وأحفادنا من الأدب؟.. هل الأدب خصلة غرست فينا ولم تغرس في أجيالنا؟.

نلاحظ بعضا مما يقال، وبعضا مما يكتب في وسائل تواصلنا الاجتماعية من إساءات منثورة بين الناس، وتجريح متبادل بين بعضهم بعضاً، كلمات جارحة للنفس، وعبارات خادشة للحياء، كل ذلك من أجل أن يثبت كل متواصل عبر تلك الوسائل رأيه الصواب على خصمه، أو ليبين ـ بحسب نظره ـ سوء أخلاق نده وخطره على الناس! أو ليفضح ضحالة فكره وأنه لا يعي خطورة ما يحمله من خطر!!

لو استعرض كل واحد قائمة حواراته وكتاباته، وتفحصها جيدا بدقة متناهية، ثم عرضها على المنه القرآني والنبوي لظهر له تقصيره الفاضح، وجسامة ما يفعل.

بعضهم يقول: أنا دائماً اراعي فيما اكتب قواعد الأدب، وأحرص في كل اقوالي على ألا أتخطى سياج الأدب..

لكن! أيها المراعي الحريص أن في حاجة ماسة للتواضع أولاً، فمن تحدثهم بشر مثلك يصيب ويخطأ.. وخير البشر صلوات ربي عليه وسلامه كان يقول (اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي) [أخرجه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، وابن حبان، وصححه الألباني في إرواء الغليل].

بعضهم يتبجح بقوله: فلان سيء الأخلاق، لا يتعامل معه إلا بأقبح الألفاظ، وكيف اتعامل مع شخص مثله إلا بذلك؟

يا أيها المتبجح بقباحة لفظه، عامل مخالفك بأخلاقك وليس بأخلاقه ـ إذا صح ما قلته عنه ـ ، فهل أخلاقك وتربيتك تسمح لك بذلك؟

المنهج القرآني يطلب من المسلم أن ينتقي  ـ ليس أفضل الكلمات والعبارات بل أحسن ما لديه، ولم يجعل هذا الانتقاء قاصرا في تعاملك مع إخوانك المسلمين بل غير المسلمين، يقول تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، وقال تعالى: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).

وهل هناك أعظم قبحاً، وأشد جرماً من فرعون الذي ادعى الربوبية (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ)!، وقال الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ)!!

وكذا المنهج النبوي يلزمنا أن نقتدي برسولنا صلى الله عليه وسلم الذي تقول عائشة رضي الله عنها وهي تصف خلقه (كان خلقه القرآن)، كان قرآنا يمشي على الأرض.

روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنه قالت: (أن اليهود دخلوا على النبي – صلى الله عليه وسلم – فقالوا: السام عليك، فلعنتهم. فقال: ” مالك؟ ” قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: ” فلم تسمعي ما قلت؟ وعليكم)

وفي رواية: (دخل رهط من اليهود على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقالوا: السام عليكم. قالت عائشة – رضي الله عنها ففهمتها فقلت: وعليكم السام واللعنة. قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله ” فقلت: يا رسول الله أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” قد قلت: وعليكم)

وفي رواية: (أن يهود أتوا النبي – صلى الله عليه وسلم – فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة: عليكم ولعنكم الله وغضب الله عليكم. قال: ” مهلا يا عائشة عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش ” قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: ” أولم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في).

وفي رواية: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله).

الله أكبر.. تأمل هذا الأدب النبوي في مخاطبة المخالفين..

ومن الأدب النبوي في التناجي، ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى رَجُلَانِ دُونَ الْآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ أَجْلَ أَنْ يُحْزِنَهُ) [ متفق عليه].

ومن الأدب النبوي في الإكرام، حديث أَبُي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِط) [رواه أبو داود وحسنه النووي في “رياض الصالحين” والشيخ الألباني في “صحيح أبي داود”].

ومن الأدب النبوي في العلاقات، ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: (تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) [متفق عليه].

ومن الأدب النبوي في البيع والشراء، ما رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله رجلاً سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى) [رواه البخاري].

ومن الأدب النبوي في معاملة النساء، ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيرا).

وبعد.. الأدب مع الخَلق: هو معاملتهم على اختلاف مراتبهم بما يليق بهم، فلكل مرتبةٍ أدب. فمع الوالدين أدب خاص، فالحديث معهما يكون باختيار أحسن الكلمات، وألطف التعابير، قال تعالى (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ..) فكيف بالوالدين؟!.. فقد قرن الله حقهما بحقه فيما قضاه على الناس فقال تعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ..).

وكذلك الأدب مع العالم، والأدب مع السلطان، والأدب مع الأقربين، والأدب مع الضيف.. فكل له أدبه.. ولا ننسى الأدب مع أهل البيت من البشاشة وطلاقة المحيا، وحسن اللقاء، والابتسامة الهادئة..

 

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

انشر.. وشارك من تحب الخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال