قوة الإرادة

لو كان أحدنا مسؤولا عن أموال أيتام؛ وجاء من يعتدي عليها لكان لزاماً عليه أن يقف أمامه ويدافعه بما أوتي من قوة.

ولو اعتدى بعض الناس على بعض أموالنا أو شيء من أملاكنا لما سمحنا له بأن ينال من ذلك من شيء.

.. ما إن تقترب لقمة (التطبيع) من الصهاينة من الفم لتأكل، ثم لتهضم.. إلا ويأتي ما يُظهر السموم التي تكتنفها، مما يبعدها عن الأمة ابعد مما كانت عليه قبلاً.

منذ أيام كانت صفحة مشرفة من صفحات البطولات الإسلامية، وأنموذج من نماذج الشرف المقدسي، ألا وهو صمود أخوننا في أكناف بيت المقدس أمام بوابته، ورباطهم على أعتابه؛ في ذات الحين الذي منعتهم منه أيدي الاحتلال الصهيوني من دخوله إلا عبر بوابتهم المذلة، لتكسر إرادتهم ولو صورياً.. وحجتهم الواهية هي تأمين المسجد الأقصى وهم الملحدون في ساحاته!

كان المحتل يظن أن هذه الترهات الواهية ستنطلي على الأمة الإسلامية، وعلى من يصلي في المسجد الأقصى، يحسبون أن هدفهم في فرض سيادتهم على المسجد الأقصى من خلال بواباتهم الإلكترونية، وطرد حراسه الفلسطينيين سيمرون به دون حراك!

لكن هيهات.. هيهات.. تجتمع المرجعيات الدينية في القدس وتطلب من جميع المقدسيين المرابطة أمام المسجد، وعدم الدخول للصلاة في المسجد الأقصى. بل الصلاة لا تكون إلا في خارجه حتى تزال البوابات الإلكترونية.. ويمر اليوم واليومان والثلاثة.. وإذا بأعداد المسلمين في فلسطين تتزايد للصلاة خارج المسجد الأقصى، وتعلو صيحات التكبير.. فما كان من الصهاينة المعتدين غلا وأن يرضخوا للمطالب، فيزيلوا البوابات الإلكترونية، وقد أبقوا باب (حطة) أحد أبواب المسجد الأقصى مغلقاً، فرفضت المرجعيات الدينية أن يدخل المصلون المسجد الأقصى إلا بعد أن يفتح الباب.. ثم كان الفتح.. ودخل المسلمون المسجد الأقصى صلاة العصر بأعداد تفوق المئة ألف مصلٍ، يكبرون، ويهللون، ويحمدون الله (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا).

إن أبطال المسجد الأقصى يعلمون الأمة بأسرها درساً من دروس (قوة الإرادة)، قال تعالى (ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ).

إنه درس قوة الإرادة ضد من يعتدي على مقدساتنا، أو أعراضنا، أو ديننا، يقول الله تعالى (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

قوة الإرادة.. هي تهيؤ القلب والعقل بشدة وعزم لأحداث الفعل الذي يرضي الله تعالى..

قوة الإرادة.. هي الثبات والصمود، وهي مرتبة الصابرين المحسنين، ومرتبة أولي العزم..

الأحداث الجسام.. لا تندفع بالدعاء المجرد من قوة الإرادة، بل تحتاج إلى قوة إرادة زكية تقية طاهرة مؤمنة..

قوة الإرادة الشريرة تحتاج إلى قوة الإرادة الخيرة لتوقفها، وتدافعها.. فقوة إرادة إبليس تتجلى فيما حكاه رب العزة عنه: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) وقد رد عليه المولى سبحانه: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ).

فمن تغلب شهواته قوة إرادته، واستسلم لدعاية النفس، وتزيين الشيطان؛ تضعف قواه. ولا يعود إلى ربه، بل يَضل، ويُضل.

إذاً.. لا بد أن نعد العدة لنكون من المخلصين، فأول خطوة نخطوها أن نتسلح بإرادة قوية، وعزيمة إيمانية.. ويصحب ذلك التزام صارم بأوامر الله تعالى..

 كيف نقوي الرادة في نفوسنا ونفوس من حولنا من أولادنا وأهلنا؟

أولاً: تقوية عناصر الإيمان بالله تعالى وصفاته العظيمة، وقضائه وقدره، وحكمته، مع حسن الظن به والتوكل عليه..

ثانياً: التدريب العملي على مقاومة أهواء النفس، ومخالفة شهواتها كلما ألحت علينا بالمطالب المحرمة.

ثالثاً: ممارسة العبادات بإتقان يقوي الإرادة (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).

رابعاً: مما يقوي الإرادة أن نضع دائما ابتغاء مرضاة الله عز وجل هي الهدف (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى).

خامساً: الجدُ والعزم مع النفس فيما يحتاج لذلك.

سادساً: المسارعة في عمل الخير، والمبادرة إليه (أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ).

سابعاً: التفاؤل بالخير، وصرف النفس عن التشاؤم.

ثامناً: عدم التحزن والحزن على ما فات، بل النظر إلى ما هو قادم وآت.

قوة الإرادة تأسٍ بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ كانت حياته مع أصحابه حياة جدٍّ وحزمٍ ونظامٍ.

حديث زَيْد بن ثابت وأنه ذُهِبَ بِه إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُعْجِبَ بِه، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا غُلام مِنْ بَنِي النَّجَّارِ مَعَهُ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِضْعَ عَشْرَةَ سُورَة، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: (يَا زَيْدُ تَعَلَّمْ لِي كِتَابَ يَهُودَ، فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي). قَالَ زَيْد: فَتَعَلَّمْتُ كِتَابَهُم، مَا مَرَّتْ بِي خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتَّى حَذَقْتُهُ، وَكُنْتُ أَقْرَأُ لَهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ، وَأُجِيبُ عَنْهُ إِذَا كَتَبَ. [رواه الإمام أحمد وحسنه الأرنؤوط].

قوي الإرادة كالشعلة من النار، يصونها صاحبها وهي تأبى إلا ارتفاعاً..

قوي الإرادة.. يساهم بقوة في اعمار الكون؛ فيصبح بذلك أهلاً للاستخلاف في الأرض..

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ..).

 

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

انشر.. وشارك من تحب الخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال