التوكل على الله

ما هو الأمر الذي يَجلب محبة الله، ومعونته، ونصره، وتأييده؟

ما هو الأمر الذي به نُحفظ ونُمنع من الشيطان الرجيم، ومن شرار الخلق أجمعين؟

ما هو الأمر الذي به نُرزق راحة البال، واستقرار الحال؟

ما هو الأمر الذي يجعل لنا به مخرجاً، ويكفر عنّا به سيئاتنا؟

إنه: التوكل على الله .. يا عباد الله.

التوكل: هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح، ودفع المضارّ من أمور الدنيا والآخرة.

قال الإمام الجُرجاني: “التوكلُ هو الثقةُ بما عند الله، واليأس عما في أيدي الناس“.

التوكل مثاله ما كان من قصة هاجر مع زوجها إبراهيم ـ عليه السلام ـ وابنها الرضيع إسماعيل ـ عليه السلام ـ في واد مقفر، وصحراء قاحلة.. لا زرع، ولا ماء، ولا أنيس ولا رفيق.. ترك إبراهيم ـ عليه السلام ـ زوجه ووليدها، ثم مضى في طريق عودته، تاركاً لهم تمراً وماءً يسير.

نادته زوجه قائلة: يا إبراهيم! أين تذهب؟ وتتركنا في هذا الوادي! الذي ليس فيه أنيس ولا شيء.

فلم يلتفت إليها الزوج وكأنه على يقين من وعد الله الذي لا يتخلف، ولا يخيب.

فقالت الزوج وكأنها أدركت أن أمراً ما يمنع زوجها من الرد عليها: آلله أمرك بهذا؟

فيرد الزوج: نعم!

فتقول الزوج التي تعي معنى التوكل على الله: إذاً لا يضيعنا.

وانصرف إبراهيم ـ عليه السلام ـ وهو يدعو ربه: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ).

فنفد التمر والماء من هاجر، وجاع الطفل إسماعيل، فأخذت تصعد جبل (الصفا) تنظر لعلها تجد من يأتي لها بماء، ثم تجري فتصل إلى جبل (المروة) وتصعد، لم تيأس، فتهرول مرة ثانية في شدة الحر، والنصَب، والعطش حتى تصعد إلى (الصفا) مرة أخرى، وكررت ذلك سبع مرات، فبعد أن أخذت بكل ما في وسعها من أسباب النجاة. بعث الله لها ملَكَاً ليفْجُر عيناً من الماء تحت قدمي إسماعيل ـ عليه السلام ـ ليرتوي هو وأمه، ليصدق دعوة إبراهيم ـ عليه السلام ـ (وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ).

التوكل.. مثاله ما كان من قصة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حين دخل الغار بعد أن قام بكل أسباب السلامة التي توصله إلى المدينة. وتلك هي قاعدة التوكل التي ذكرها بعض العلماء بأن “تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل وكأنها لا شيء“.

النقص في معرفة الله تعالى يبعد العبد عن التوكل على الله تعالى.

ضعف الإيمان يجعل الإنسان يطلبُ النجاة من أهل الأرض.

أما قوة الإيمان تجعل الإنسان يطلبُ النجاة من الله وحده.

مشكلة الخلق.. في أنهم يريدون الدنيا، وأمنها، واطمئنانها، وما فيها من مال، واستقرار وراحة بال.. فينكبون عليها، وينسون الآخرة، فتأتي المنغصات كي تعالج ما بهم من انكباب، وترشدهم نحو الهدف الذي خُلقوا لأجله (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).

ما معنى ذلك؟ معناه أن الله تعالى جعل هذه الشدائد رسائل كي يعود الخلق إليه.. لأن الله لم يخلقهم عبثاً (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ).

ومن أوضح تلك الرسائل الربانية في كتابه ما خاطب به نبينا صلى الله عليه وسلم: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)، (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

لا يكون توكل الإنسان بالله حقيقياً، وهو يرى أن للنّاس من الأمر من شيء، فيتقلب حسب تقلب الرؤى والأهواء (يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا)!!.

أما أهل التوكل الحق فيرون أن الأمر دائما وأبداً بيد الله؛ والله تعالى يقول: (أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ)، (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ).

يستحيل أن يساوي الله بين عبد توكل عليه، وبين من ترك التوكل عليه (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ).

والله ما أمر الخلق بعبادته إلا بعد أن طمأنهم برجوع الأمر إليه (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ).

فمن الغريب أن يُرى رجل ذو علاقة وثيقة برجل ذي منصب وقدرة، وقد طمأنه إلى جنابه وابعاد الظُلم عنه، ثم يأتي من هو أدنى من صاحبه منصبا وقدرة؛ فيهدِّدُه.. أتراه يخاف؟

صحيح.. أنه قد يخاف منه إذا كان في قلبه ضَعْف في ثقته بصاحبه، واعتماده على كلمته.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، قَالَ: يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ، وَكُفِيتَ، وَوُقِيتَ، فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟) [أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما].

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول اله صلى الله عليه وسلم يقول: (لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكُّله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدوا خِماصًا وتروحُ بطانًا) [رواه الترمذي، وقال: “حديث حسن”].

إن أردنا النصر.. فعلينا بالتوكل.. (إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).

وإن أعرض عنَّا الخلق.. لزمنا التوكل.. (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)..

وإن أردنا الصلح والإصلاح.. فعلينا بالتوكل.. (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)..

وإن حضرنا القضاء.. استعنا بالتوكل.. (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)..

وإن داهمنا أبليس وجنوده.. فالتوكل حصنا منهم.. (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)..

وإن أردنا الوكيل في أمرنا كله.. وفي كل حال.. (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)؛ والتوكل وسيلتك لمحبته (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)..

 

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

انشر.. وشارك من تحب الخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال