الاعتراف بالفضل

عجيب أمر ذلك الزوج!.. عاش مع زوجته سنوات طويلة، كانت فيها: السعادة، والفرح.. وقد يكون قد اعترتها بعض المنغصات؛ ثم يأتي بعد ذلك يوم قوي لم تكن نتيجته إلا الطلاق!!

وقل مثل ذلك في حق الزوجة.. تعيش مع زوجها سنوات طويلة.. ثم في لحظة غضب؛ تنسى الخير الكثير الذي حدث في الماضي فتطلب طلاقها! فيكون لها ما تريد فتنسى فضل زوجها فيما قدم في الماضي، قال تعالى : “ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ” والشاهد: ” وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ”.

 

هذا الأمر لا يحتمل أن يوجه خطابه للغير، وإلا لم نخرج بفائدة مما نقول..

السؤال الذي أسأله لذاتي: ما هو الفضل الي قصرت في فعله لغيري؟

بدايةً.. لابد أن نعرف معنى “الفضل”، وهو: أن يقرَّ المتفضلُ عليه من الناس بفضل من يصدرُ عنه الفضلُ، ولا يجحده أو يتناساهُ.

من هو أول صاحب فضل على الخلق أجمعين؟

أول صاحب فضلٍ هو المتفضل سبحانه وتعالى في الأولى والآخرة، هو المتفضل على أهل الدنيا: مسلمهم وكافرهم؛ بنعمه التي لا تحصى “وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”، وفي الآخرة يدخل عباده الصالحين الجنة، ويورثهم دار المقامة من فضله، ” قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ”.

وقد قال يوسف عليه السلام فيما جاء عنه في القرآن الكريم: ” ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ”.

وقد قال سليمان عليه السلام: “ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ “.

وكان يقول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ويعلمنا أن نقول دُبُر كل صلاة: “ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ” [مسلم 1 / 415.].

نحتاج أن نربي أنفسنا على تذكر فضل الله علينا، والاعتراف بها ظاهراً، وباطناً، والاعتراف كذلك بفضل الوالدين، والزوجة، والأقرباء، والأصدقاء.. وكل منه له سابق فضل علينا.

لذلك لهذه الصفة – الاعتراف بالفضل – منزلة جليلة لما يعود منها من الخير على المجتمع بأسرهِ؛ حيث يؤدي ذلك إلى استقرار هذا المجتمع، وتآلف افراده، وتشجيع ذوي الفضل أن يستمروا في تفضلهم الذي يلقى الاعتراف من الآخرين.

الاعتراف بالفضل.. هو اعتراف بالمنعم سبحانه وتعالى، وبنعمة علينا.

الاعتراف بالفضل.. سببٌ من أسباب حفظ النعمة، بل وزيادتها ونمائها.

الاعتراف بالفضل.. لا يكون باللسان فحسب! بل باللسان ويعبر عما في الجنان، وكذلك يكون بعمل الجوارح والأركان..

الاعتراف بالفضل.. يُكسب العبد رضا الرب سبحانه وتعالى، ومحبته.

الاعتراف بالفضل.. يجري على لسان المسلم الأكثر شكراً لربه، “ «من لا يشكر الناس لا يشكر الله» [ (صحيح) [ت] عن أبي هريرة. المشكاة 3025]، فشاكر الناس فإنما هو في حقيقة أمره يشكر المولى الذي أجرى الخير على يديه.

الاعتراف بالفضل.. سنة نبوية، وهدي شريف، دلنا عليه الحبيب صلى الله عليه وسلم، كان يقول عن خديجة رضي الله عنها “إنما رزقتُ حبها”، قال صلى الله عليه وسلم: “ (إنّ الأشْعريّين إذا أرملُوا في الغزْو، أو قلَّ طعامُ عِيالهم بالمدينةِ؛ جمعُوا ما كانَ عندَهم في ثوْبٍ واحدٍ، ثم اقتسمُوه بينهم في إناءٍ واحدٍ بالسَّوِيَّةِ، فهم منّي وأنا منهم) .[ أخرجه البخاري، ومسلم]، فيقدر لهم صلى الله عليه وسلم صنيعهم، ويعترف لهم بفضلهم، بل حث على ذلك العمل فقال: “ مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فأعيذُوهُ وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ أَتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا، فَادْعُوا لَهُ، حَتَّى يعلم أن قد كافأتموه”. [أحمد والبخاري في “الأدب المفرد” وأبو داود والنسائي].

 

وقال : “من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء “[رواه الترمذي والنسائي وابن حبان (صحيح) المشكاة 3024، صحيح الترغيب 959]، منهج رباني عظيم يربي الفرد والمجتمع على الاعتراف بالفضل.

جاء في روضة العقلاء: “قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه الحر لا يكفر النعمة ولا يتسخط المصيبة بل عند النعم يشكر وعند المصائب يصبر ومن لم يكن لقليل المعروف عنده وقع أوشك أن لا يشكر الكثير منه والنعم لا تستجلب زيادتها ولا تدفع الآفات عنها إلا بالشكر لله جل وعلا ولمن أسداها إليه” أ. ه.

قال تعالى : “وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ”..

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

انشر.. وشارك من تحب الخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال