النظام والانضباط

هل سمعتم عن تلك التي جمعت شتات كلامها في جملة يعجزُ كبار القادة، والمدراء أن يأتوا بمثلها، نادت، ونبهت، وأمرت، ونهت، وخصت، وعمَّت، ثم اعتذرت!

(وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) [سورة النمل].

يقول العلماء: ” يقول العلماء “ما أعقلها من نملة وما أفصحها”. (يَا) نادت، (أَيُّهَا) نبّهت، (ادْخُلُوا) أمرت، (لَا يَحْطِمَنَّكُمْ) نهت، (سُلَيْمَانُ) خصّت، (وَجُنُودُهُ) عمّت، (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) اعتذرت.

فما كان من سليمان عليه السلام ـ الملك النبي ـ الذي يسير بنظام محكم؛ ليقابل النمل صاحب التخطيط والعمل، وباني أرقى المستعمرات والممالك، إلا أن: (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) [سورة النمل].

 

ما هو النظام؟

(النظام: هو أن يرتب الفرد أو الجماعة الأمور ترتيبا يجعلها متناسقة مؤتلفة لا تناقض فيها ولا تنافر).

 

من فوائد النظام:

أنه دليل الالتزام بأحكام الشرع، وأنه يحفظ أمر الجماعة، ويقيها من الاختلاف والتفرق وأنه يؤدي إلى ألفة الجماعة وعدم اختلافها، ويوطد اركان الأسرة، ويبعد الشحناء، ويؤدي إلى تولية الأحق في الأمانة وغيرها.

 

لقد خلق الله تعالى هذا الكون وابدعه وبناه على نظام دقيق، وأحكمه حتى لا يتقدم فيه مخلوق على آخر، ولا يتأخر مأمور عما أُمر به، قال تعالى: (وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) [سورة يس].

هكذا خلق الله الكون، وحفظهُ وخلقهُ دقيق في أجود صنعة متقنا، في أحسن هيئة، لا يتغير ولا يتبدل، ولا يميل شعرةً عن سبيله التي قدر له السير فيها، (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ).

 

تخيل أيه المسلم ما الذي يحدث لو خرج كوكب عن مساره، أو اصطدم نجم بآخر، أو طغى بحرٌ على يابسة، أو جف نهرٌ بعد جريانه، أو زال جبلٌ في لحظة؟!، (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) [سورة فصلت].

لذلك الكون كله يسير بنظام فريد، دقيق؛ من كواكب وأفلاك وجبال ونبات وحيوانات، والإنسان هنا مخير بين السير وفق هذا النظام وبين مخالفته!

ياله من دين عظيم! يدعو الإنسان ليقوم إلى صلاته في اليوم خمس مرات، يقوم متطهراً في بدنه وثوبه وبقعته، يستاك، ويأخذ زينته، ويمشي على بيت الله، وعليه سكينة ووقار، يجتنب الروائح الكريهة من أجل نفسه وإخوانه، والملائكة المقربين، ملتزماً آداب الخروج والدخول من منزله ومسجده من خفض صوته، وغض بصره، وقراءة القرآن الكريم أو ترديد ذكر أو لهج بدعاء ومناجاة، في إنابة واخبات، (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا)، قائماً لله قانتاً، ساكناً غير عابثٍ، ولا لاهٍ، متابعاً إمامه، منتظماً في صفه، في ذوق رفيع، وآدب راقٍ.

عن أبي مسعود رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: (استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) [رواه مسلم].

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا , وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ , فَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ، وَإِذَا صَلَّى جَالِساً فَصَلُّوا جُلُوساً أَجْمَعُونَ) [متفق عليه].

وفي حال الحرب والقتال، فهناك آداب رفيعة، وتنظيمات دقيقة، (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ).

ينتقل صلى الله عليه وسلم من محراب صلاته إلى محرابة حياته؛ لكن صلاته تنهاه عن الفحشاء والمنكر.

ومن العجب! أن نجد من يفصل الحياة عن المسجد، فيقف ليستوي في الصف وقد أغلق بمركبته على مركبات الآخرين!

ما فهم هذا الدين حق فهمه! فهو يحرص على الاستواء في محراب الصلاة، ولكنه غفل عن محرب الحياة.

ما فهم هذا الدين حق فهمه! فهو يأتي ليصلي في المسجد ولكنه إذا خرج من بابه ليس له مانع من يُزّور، أو يسرق، أو يؤخر ما ألزم بانفاذه من معاملات الناس، وايصال الحقوق.

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

انشر.. وشارك من تحب الخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال