الاتقان والجودة

كلنا يذكر قول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لليهود عندما علم بصيامهم ليوم عاشوراء لنجاة موسى عليه السلام فقال: “نحن أحق بموسى منكم”.

وهذا الأسبوع هو (أسبوع الجودة) على مستوى العالم، ونحن المسلمون أحق بتطبيق الجودة والاتقان ممن هم سوانا من غير المسلمين “فنحن أحق به منهم”.

إن سبب تأخرنا في أهم مجالات الحياة إنما هو بسبب ضعف الاتقان، وقلة المهارة، عن ملاحقة السباق الحثيث في ميادين الثقافة والصناعة وجميع المهارات التي تعود بالنفع العام على المسلمين، وتجعلهم في مقدمة أمم الأرض بعد أن تأخروا عن سبقهم الذي كانوا عليه في القرون الأولى.

إن العصر الحديث يتطلب منا مستواً رفيعاً من التخصص الذي يلتزم الاتقان في التعليم والعمل، يقول الامام ابن حجر: “ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب”.

وديننا لم يكتفِ بذكرٍ عارضٍ عن أهمية الاتقان والإحسان بل تضاعفت النصوص وعلقت النجاة في الدين يوم القيامة لمن أتقن وأحسن.

لذلك المعذب يوم القيامة على ماذا يندم؟ قال تعالى: (أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).

وقد جاء في القرآن الكريم أن الغاية الأساس من وجود البلاء بين الخلق، هو إحسان العمل وظهور الأجدر فيه، قال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ).

وهل هناك فضل خير وأحسن من رؤية الله تعالى، فقد جعل ربنا الاحسان مقياساً للتمييز بيننا وقال: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا..) ماذا جزاؤهم يا رب؟.. (الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ) : الجنة ورؤية الله، قال تعالى : (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ).

يقول ابن زيد: “هل جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يُحسن إليه في الآخرة”.

محبة الله سبحانه تنال بالإحسان.. (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).

روى أحد الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد جنازة فانتهى بالجنازة إلى القبر، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سوّوا اللحد لهذا)، حتى ظن الناس أنه سنة، فالتفت إليهم فقال: (أما إن هذا لا ينفع الميت ولا يضره، ولكن الله يُحب من العامل إذا عمل أن يُحسن)، وفي لفظ: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه).

يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإتقان وهو في هذا الموضع الذي لا يضر الميت فيه سقط عليه التراب أم لا.

ولكنه التوجيه بالإتقان وتنميته لدى الضمير المسلم الواعي ليكون دافعا قويا للدعوة إلى إحسان العمل وإجادته أياً كان..

فإذا كان هذا في القبر وحال الموت ففيما هو أكبر منها أولى وأجدر..

ويؤخذ من هذا الحديث فوائد.. منها :

– أن الله يحب (الإتقان).

– ومنها: أن (الإتقان) والحث عليه ليس مقتصرًا على أمور العبادة فحسب، بل يمتد حتى يصل للأمور الدنيوية.

– ومنها: شعور المسلم بالإنجاز السليم، وأنه عمل ما يحبه الله، وأنه بإتقانه راضٍ عن نفسه بعدم التقصير..

ولقد أحسن من قال:

إذا عمل المرءُ المكلف مرةً  ***  عملًا فإنّ العيبَ ألّا يحسنه

فقدْ ذكرَ المختارُ أنّ إلهنَا  ***  يحبُّ لعبدٍ خافَهُ أنْ يتقنَه

ثم إن ( الإتقان ) في الشريعة الإسلامية قد جاء في نصوص كثيرةٍ من الكتاب والسنة كلها دالة على محبته والحض عليه في جوانب كثيرة ؛ فقد قال – صلى الله عليه وسلم – : ” إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه ” رواه مسلم ، وفي الحديث الصحيح في ذبح البهائم : ” وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ” ، وفي الصلاة يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله ، وفي قراءة القرآن الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به فهو مع السفرة الكرام البررة ، وفي قصة مشروعية الأذان حينما رأى عبد الله ابن زيد الرؤيا قال له صلى الله عليه وسلم “ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتاً” ، وهذا اعتباراً وتقديماً للإتقان والنصوص في هذا كثيرة ، كثيرة جداً ليس هذا محل بسطها إذ يكفي بالقلادة ما أحاط بالعنق فهل يعي المسلمون قيمة هذا المفهوم في شريعتهم وهل يسعون بعد هذا الفهم إلى تفعيله في أوساطهم وبالأخص الأوساط العلمية والتعليمية التي تنطلق منه مجالات العمل وسوقه من صناعات وإنجازات ومهارات؟!

ثم نحن مطالبون من أصحاب الاعمال التي نعمل لها: بتقليل الهدر في الموارد والوقت والأموال وان ننجز الأعمال في أقصر وقت، وبأفضل أداء مؤتمنون على أداء العمل بالكفاءة المطلوبة، والجودة المطلوبة من قبل أولئك الناس الذي نقدم لهم الخدمات أو يستلمون من المنتجات، نقدمها بدرجة عالية من الاتقان وخالية من العيوب ومطابقة للمعايير.

فما أحوج المسلمين عموماً، إلى أن تكون أعمالهم مميزة، وبخاصة وأنهم يعيشون عصرا يزخر بالكثير الكثير من الابداعات والعلوم المميزة، والتي تُوّجت بما يسمى اليوم (نظامَ الجُودة) والمشهور بـنظام: (الأيزو) لينهضوا بدورهم في هداية العالمين، وليتحقق فيهم قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً).

نحن أمة لها عقيدة إيمانية راسخة، لها قيم ومبادئ شملت جميع جوانب الحياة لتستقيم، نحن مستخلفون في الأرض لإعمارها وإعلان التوحيد لخالق الكون الله جل علاه والقيام بالعمل الجاد المتقن بما يرضيه سبحانه وتعالى.

الاتقان مطلوب في جميع الأمور، في أعمالنا ومعاملاتنا، في علاقاتنا الاجتماعية، ونحن عندما ننظر فيما ولنا ونستعرض التجارب التي تمر بنا خلال أعمالنا اليومية نجد أننا نفتقد إلى الاتقان المطلوب حيث نرى أن كثيراً م الأمور لو تم أداؤها بإتقان لكان أثرها أفضل ونتيجتها ستكون كبيرة الأثر في حياتنا، يقول الله تعالى: (وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)، فهلا اتخذنا من الاتقان غاية في حياتنا، وهذا الاتقان وتجويد العمل لا ينبغي أن ينحصر في زمن معين بل لابد أن نلتزم به كمنهج عمل في شتى مناحي الحياة، في: العبادة، والعمل، في المدرسة وفي المستشفى، وفي المنزل، وفي الشارع، أو بمعنى آخر أن نصل إلى الاتقان في الحياة ونطبق مبادئه في سلوكنا وتعاملنا طيلة حياتنا فالالتزام بالجودة والاتقان ليس له حد أو نهاية، فالإتقان ليس مجرد عمل يؤدى بل هو عادات وسلوكيات تمارس.

يقول الله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)، والنبل لا يُقاوم المدفع، والرمح لا يرد صاروخاً، كما أن المشي على الأقدام ليس كركوب الدابة، وليس الماشي كالجاري، ولكنها دعوة من الله تعالى للإتقان في العمل.

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

انشر.. وشارك من تحب الخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال