حفظ اللسان

عن ماذا نتحدث في مجالسنا؟ فلان فاسد.. وفلان سارق.. وفلان متشدد.. وفلان كذا وكذا!!

فهل جلستَ معه؟!

لا!

هل حقّقتَ معه؟! وتأكدت من فساده؟

لا!

هل طُلِب منك أن تبحث في قضيته؟

كلا!

هل انتهى التحقيق معهُ؟ وتحقق ثُبوت التهمة عليه؟

لا أعلم!

فليتذكر الجميع.. أنه سيقف أمام الله تعالى يوم القيامة (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا)، ولن تسأل: لماذا لم تشتم فرعون الذي قال: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى)؟ فلم يلوك لسانك أعراض الناس هم خير من فرعون؟!

ماذا ستقول لربك يا من أرسلت عبر وسيلة ما من وسائل التواصل الاجتماعي مستهزئاً بأناسٍ لم يكشف التحقيق بعد عن جرمهم من عدمه؟

هذا مثال لما يدور في مجالس الناس، وغيره كثير! وصدق الله تعالى (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ).

حفظ اللسان“: هو أن يصون المرء لسانه عن الكذب والغيبة والنميمة وقول الزور وغير ذلك مما نهى عنه الشارع الحكيم.

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ ، وَيُبَاعِدُنِي مِنْ النَّارِ؛ قَالَ:” لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ : تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ ” ، ثُمَّ قَالَ : ” أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ ؟ : الصَّوْمُ جُنَّةٌ ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ تَلَا : (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ) حَتَّى بَلَغَ: (يَعْمَلُونَ)” ، ثُمَّ قَالَ : ” أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ ؟ ” ، قُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ قَالَ : ” رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ ” ثُمَّ قَالَ : ” أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ ” قُلْتُ : بَلَى يَارَسُولَ اللَّهِ ؛ فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ وَقَالَ:” كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا “ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ : ” ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ ! وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ – أَوْ قَالَ : عَلَى مَنَاخِرِهِمْ – إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ” [رواه أحمد، والترمذي وصححه؛ والنسائي، وابن ماجة، والحاكم، وصححه على شرطيهما، ووافقه الذهبي].

احفظْ لسـانَك أيـها الإنــسان … لا يلدغــنَّك إنَّه ثعبــــانُ

كم في المقابرِ من قتيلِ لسانِه … كانت تهابُ لقائَه الشجعانُ

***

احفظْ لسانَك واستعذْ من شرِّه … إنَّ اللسانَ هو العـدو الكاشــحُ

وزنْ الكلامَ إذا نطقتَ بمجلسٍ … فإذا استوى فهناك حلمُك راجحً

***

الصمت زين والسكوت سلامة … فإذا نطقت فلا تكن مكثارا

فإذا ندمت على سكوتك مـرة … فلتندمن على الكلام مرارا

***

عَوِّدْ لِسَانَكَ قَوْلَ الْخَيْرِ تَحْظَ بِهِ … إِنَّ اللِّسَانَ كَمَا عوَّدْتَ مُعْتَادُ

مُوَكَّلٌ بِتَقَاضِي مَا سَنَنْتَ لَهُ … فِي الخَيْرِ والشَّرِ فانظُرْ كَيْفَ تُرْتَادُ

حفظ اللسان.. دليل كمال الإيمان، وحسن الإسلام، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه) [رواه البخاري، ومسلم]. وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حسن إسلام المرء: تركُه ما لا يعنيه) [رواه الترمذي وغيره].

حفظ اللسان.. دليل حسن الخلق، وطهارة النفس، عن عبدالله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: (المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجَر ما نهى الله عنه) [متفق عليه].

حفظ اللسان.. يُثمر محبة الله، ثم محبة الناس..

حفظ اللسان.. يُهيئ لمجتمع صالح، ونشئ طيب.

حفظ اللسان.. يُورث الفوز بالجنة، والنجاة من النار.

لتنطلق الألسن في الخير، من: أمرٍ بالصدقة، أو حث عليها، أو أمرٍ بمعروف، أو نهيٍ عن منكر، أو إصلاح بين الناس، قال تعالى: (لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).

حفظ اللسان.. ليس بالأمر السهل! فإنه صعب كما عرف من هدي السلف، وطبائع الناس، ويكفي أن الذي قال الله في وصفه: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ) وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان يضع حصاةً في فيهِ، يمنع بها نفسه عن الكلام، وكان يشير إلى لسانه ويقول: “هذا الذي أوردني الموارد“.

وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: “والله الذي لا إله إلا هو ما شيءٌ أحوج إلى طول سجنٍ من اللسان“.

وطاووس بن كيسان رحمه الله يعتذر من طول سكوته بقوله: “إني جربتُ لساني فوجدته لئيماً”، ويقول أيضاً: “لساني سبُعٌ إن ارسلته أكلني!”.

وكان الحسن البصري رحمه الله صادقاً مع نفسه عندما قال له محدثه: لماذا لا تتكلم؟، فقال: “أخشى الله إن كذبتُ، وأخشاكم إن صدقتُ”.

وخير ما يشغل به اللسان هو ذكر الله، قال تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ).

ومن آداب حديث الإنسان بلسانه، ومما ينبغي عليه مراعاته ما دام متحدثاً:

  1. أن يبتعد عن الحديث في الأشخاص، فلو وقع حادث عام من أمطار أو كوارث فيحاول إصلاح ما يقدر ويدع أمر محاسبة المتسبب فيه لأولي الأمر، فهو خير وأجدى.
  2. ألا تتجاوز في مدحك ـ إن كنتَ لابد مادحاً شخصاً ـ ما يعود عليه، أو عليك بالنقص والسوء.
  3. أن يكون الوفاء في وعدك، والصدق في منطقك، وإلا فهي آية المنافق في حديثه!.
  4. أن يكون أسلوبك حسناً، وعرض رفيقاً، وإلا يشوب حديثك ضجيجٌ ولا صخبٌ.
  5. أن تتدرب لسانك، وتربي فكرك، على القول الحسن، والألفاظ الطيبة، فالأدب تدريب ورياضة نفس.

وجماع الأمر كله، ألا تتحدث إلا “من لأجل الله، فنحن بالله، وبالله، ومع الله“.

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

انشر.. وشارك من تحب الخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال