بين امتحان الدنيا وامتحان الآخرة – إبراهيم بن محمد الحقيل

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فإن هم الناس في هذه الأيام منحصر مع أولادهم، في حساب آخر العام، وحصد نتائج ما زرعوا خلال أيامه ولياليه، وأصبح ملحوظًا اهتمام كافة الناس بهذه الأيام وما يجري فيها، فالباحثون يعقدون الندوات، وينشرون الدراسات في كيفية التعامل مع هذه الأجواء، والمربون يقدمون النصائح والإرشادات، والآباء قد أرجؤوا عتاب وعقاب أولادهم على أعمال اقترفوها سيئة، وأخذوا يشدون عزمهم، ويشجعونهم على الصبر والجلد والمضي بقوة وهمة من أجل تجاوز الصعاب، وإزالة رهبة السؤال والجواب، والأمهات قد بذلن وسعهن فيما يعود بالراحة على أولادهن، وتهيئة الجو المناسب حتى تمضي هذه الأيام على خير، والجميع رجالًا ونساءً يلهجون بالدعاء أن يوفق الله أولادهم، ويكلل مساعيهم بالفوز والنجاح، وما اهتمام الجميع بذلك إلا لأن هذه الأيام أهمت أولادهم، وما أولادهم إلا بضعة منهم؛ فهم يرون أن هذه الأيام تحدد جزءًا من مستقبل أولادهم.
إن هذا ليدعونا إلى النظرة فيما يحدد المستقبل كله، وبما أن هذا النوع من الحساب في هذه الأيام قد استحوذ على اهتمام الناس كلهم، مع أنه لا يعتبر شيئًا أمام الحساب الأكبر؛ فجدير بنا أن نقارن بين الحسابين، ونتأمل عاقبة الأمرين، والمقارنة غير ممكنة للفارق الكبير بين الحالين، والاختلاف بين الدارين، دار الدنيا ودار الآخرة.
بماذا يهتم الناس في حساب الآخرة؟! إن اهتمام الناس في حساب القيامة سيكون اهتمامًا مقصورًا على النفس دون غيرها، لا يهتم الإنسان بأحد مهما كان قريبًا منه، أو عزيزًا عليه، حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الكل منهم يقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري إلا محمدًا صلى الله عليه وسلم حيث يشفع في الناس ليعجل حسابهم فتقبل شفاعته. فلا والد يسأل عن ولده، ولا صاحب يعرف صاحبه، فالكل مشغول بنفسه عن غيره، كما قال الله تعالى: {فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ . يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس:33-37]. وجاء في أحاديث الشفاعة أن كل نبي يقول: “نفسي نفسي، حتى إن عيسى عليه السلام يقول: لا أسأله اليوم إلا نفسي لا أسأله مريم التي ولدتني“.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: “يعرف بعضهم بعضًا، ويتعارفون بينهم، ثم يفر بعضهم من بعض”. وقال تعالى: {يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ . وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ . وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ . وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ . كَلَّا إِنَّهَا لَظَى} [المعارج:11-15] أي: لن ينجي أحد أحدًا، ولن يحمل أحد وزر أحد. وإذا كان في نتائج حساب هذه الأيام فرح لأقوام يظهر على وجوههم السرور من جرائه، ويُطلعون على نتائجهم الطيبة كل من رؤوا، وخلافهم من ساءتهم النتيجة يرون غيرهم فازوا وهم خسروا؛ حتى أظلمت وجوههم، فاختلفوا عن الأنظار لإهمالهم وتفريطهم، فإن ما هو أعظم من ذلك سيحدث في حساب القيامة؛ ولكن لا مناص ولا مهرب!! ستبيض وجوه من فرحها، وتسود وجوه من حزنها وندمها، كما قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ . ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ . وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ . تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ . أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} [عبس:38-42]، وقال تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ . إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ . وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ . تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} [القيامة:22-25]. عن ماذا يسأل العبد يوم القيامة؟! الحديث عن حساب القيامة يطول؛ لأن أحداثه كثيرة، وزمنه طويل، وأهواله عظيمة {وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [الحج:47]. ولأن هذه الأيام أيام سؤال وجواب فننظر في بعض ما سيسأل العبد عنه في حساب القيامة حينما يوقف الناس للعرض حفاة عراة غرلًا، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ} [الأنعام:94]، وقال تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} [الصافات:24]، وهناك أشياء مما يسأل العبد عنها قد نصت عليها نصوص الكتاب والسنة فمنها:
1 – سوف يسأل العبد عن عمله في الدنيا، كما قال تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ . عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر:92-93]، وقال أبو العالية: “يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة: عما كانوا يعبدون، وعن ماذا أجابوا المرسلين“، وقال ابن عيينة: “عن عملك وعن مالك“، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: “لا يسألهم هل عملتم كذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم؛ ولكن يقول: لم عملتم كذا وكذا؟!”.
2 – ويسأل العبد عن صلاته ومدى إتقانه لها، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال: يقول ربنا عز وجل لملائكته – وهو أعلم -: انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذلك» [الترمذي:413].
3 – ويسأل العبد عن حياته، وعن جسده، وعن علمه، وعن ماله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه فيما فعل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه؟» [الترمذي:1417]
4 – سوف يسأل العبد ماذا كان يسمع في الدنيا؟ وماذا كان يبصر؟ وماذا كان يقول؟ قال الله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء:36]. فمن سخر هذه الجوارح في الحرام فاستمع الأغاني، ونظر إلى ما لا يحل له من النساء، واستمتع بذلك ماذا سيقول لرب العالمين حينما يسأله عن سماع الحرام ومشاهدته؟!
5 – سوف يسأل العبد عن رعيته، هل أدى الأمانة فيهم؟ قال عليه الصلاة والسلام: «ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الأعظم الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» [صحيح البخاري:7138] .
فواجب على كل من استرعاه الله رعية أن يؤدي الأمانة فيها؛ حتى يكون جوابه حاضراً يوم القيامة. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعداد أجوبة لهذه المسائل كما جاء في حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته – إلى أن قال – فأعدوا للمسائل جوابًا، قالوا: يا رسول الله، وما جوابها؟ قال: أعمال البر» [أخرجه الطبراني في الأوسط:5371].
6 – سوف يسأل العباد عن هذه النعم التي يرتعون فيها، كما يسألون عن إسرافهم في أكلهم ولباسهم ومراكبهم وعمرانهم، وفيم سخروا هذه النعم؟ وهل أدوا حق المنعم سبحانه وتعالى؟! قال الله تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر:8].
قال الحسن البصري رحمه الله: “من النعيم: الغداء والعشاء”. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: “لما نزلت هذه الآية {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} قال الناس: يا رسول الله، عن أي نعيم نسأل؟ وإنما هما الأسودان؛ والعدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا؟ قال: «إن ذلك سيكون» [ أخرجه الترمذي:3357].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما يسأل عنه يوم القيامة – يعني العبد – من النعيم أن يقال: ألم نصح لك جسمك ونرويك الماء البارد» [أخرجه الترمذي: 3358].
وعن أبي عسيب مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل حائطًا لبعض الأنصار ومعه أبو بكر وعمر، فقال لصاحب الحائط: « أطعمنا بسرًا، فجاء صاحب الحائط بعذق فوضعه، فأكل رسول الله وأصحابه، ثم دعا بماء بارد فشرف فقال: لتسألن عن هذا يوم القيامة، فقالوا: نعم إلا من ثلاث: خرقة يكف بها عورة، وكسرة يسد بها جوعته، وحجر يدخل فيه من الحر والبرد» [أخرجه أحمد: 5/98]. وفي رواية للترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة: ظل بارد، ورطب، وماء بارد» [الترمذي: 1369].
والإنسان في هذه الدنيا يحب كثرة المال والمتاع مع أنها سبب لطول الحساب، كما أن قلة المال والمتاع سبب لسرعة الحساب، وهذا ما دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت، والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال؛ وقلة المال أقل للحساب» [أخرجه أحمد: 5/499].
السؤال عن الجليل والحقير: إذا كانت أسئلة هذه الأيام في مناهج محددة، وسبل الإجابة عليها ميسرة، والإخفاق فيها يمكن تعويضه؛ فإن الإخفاق في حساب القيامة لا يعوض، وإن أسئلة القيامة ستكون عن كل شيء صدر من العبد في الدنيا، صغيرًا كان أم كبيرًا، جليلًا كان أم حقيرًا إلا أن يتغمد الله العبد برحمته. ومثال سؤال العبد عن الأمر العظيم: سؤاله عن النبي صلى الله عليه وسلم: هل بلغ رسالة ربه؟ وقد دل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: «أنتم تسألون عني يوم القيامة، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد» [صحيح مسلم:1218].
ومثال سؤاله عما يراه صغيرًا حقيرًا: سؤاله عن عصفور قتله بلا حاجة. وقد دل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من إنسان يقتل عصفورًا فما فوقها بغير حقها إلا سأله الله عز وجل يوم القيامة، قيل: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: حقها أن يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها فيرمي بها» [أخرجه أحمد 2/225].
خوف السلف من الحساب: كان من هدي السلف الصالح رحمهم الله تعالى الخوف من الحساب لدقته، وكثرة ما يسأل عنه العبد فيه؛ ولذا كانت محاسبتهم لأنفسهم شديدة اتقاء الحساب يوم القيامة. فلم تكن النعم التي فتحت عليهم طامسًا على قلوبهم أن تغفل عن الحساب، أو تنسي يوم المعاد، قال أبو عثمان النهدي: “لما فُتحت جوخي دخل المسلمون يمشون والطعام فيها أمثال الجبال، وقال رجل لسلمان: ألا ترى ما فتح الله علينا، قال سلمان: وما يعجبك مما ترى؟ إلى جنب كل حب مما ترى حساب“، وقال أبو ذر رضي الله عنه: “ذو الدرهمين أشد حسابًا من ذي الدرهم“. وقال يحيى بن معاذ: “الدنيا لا تعدل جناح بعوضة، وهو يسألك عن جناح البعوضة“.
من حوسب عذب: من الموحدين من يقر بذنوبه يوم القيامة، فيقر بها فيغفر الله تعالى له، فلا يعذب كما دل على ذلك حديث صفوان بن محرز المازني قال: بينما أنا أمشي مع ابن عمر رضي الله عنهما أخذ بيده؛ إذ عرض رجل فقال: «كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النجوى؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب؛ حتى قرره بذنوبه، ورأى نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته» [أخرجه البخاري:2441]. ومن الناس من يناقش ويسأل، وذلك الذي يعذب بذنوبه كما دل على ذلك حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نوقش الحساب عذب، قال عائشة: أليس يقول الله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق:8] قال: ليس ذاك الحساب، ولكن ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب» [صحيح مسلم: 2876].
وإذا كان في حساب هذه الأيام خاسر ورابح، فخسارة الحساب غدًا أفدح، وفوزه أعظم، فالعاقل من يقيس وجل الناس وقلقهم من أسئلة حساب هذه الأيام على الوجل الأعظم والقلق الأكبر الذي سيحصل يوم القيامة، ومن فعل ذلك قاده للجد والاجتهاد في العبادة والمسارعة في الخيرات، واغتنام العمر قبل فواته، فكما أن من جد واجتهد خلال هذا العام سيجني ثمرة جده وتعبه هذه الأيام، ومن ضيع وفرط سيجد ذلك في النتيجة، وسوف يندم، فكذلك حساب القيامة أشد الندم فيها أعظم، وسيندم المحسنون على أن لم يزدادوا إحسانًا، وسيندم المفرطون على أنهم لم يحسنوا لا سيما أنه ليست هناك فرصة أخرى للتعويض، وتدارك ما فات كما هو الحال في امتحان الدنيا، وتلك المقارنة بين الامتحانين – امتحان الدنيا وامتحان الآخرة – تجعل صاحب القلب الحي في محاسبة لنفسه دائمة، تحفزه إلى عمل الخير؛ ليفوز غدًا في القيامة.

أسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه من الأقوال والأفعال والنيات، وأن يستعملنا في طاعته إنه قريب مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

إبراهيم بن محمد الحقيل (طريق الإسلام)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال