اسم الله (القريب)

حدثنا أحد علماء تونس عن قصة حدثت له فقال: دعوتُ مجموعة من الناس إلى الصلاة وأنا ذاهب إلى المسجد؛ فاستجاب لي أحدهم وكان شارباً للخمر سكران العقل. فعند دخوله على المسجد، طرده المصلون من المسجد لرائحة الخمر التي تخرج من فيه.. فرفض الخروج من المسجد، ثم توجه إلى الصف الأول ليصلي؛ فابعدوه إلى طرف الصف، وتركوا مسافة بينهم وبينه، ثم صلوا المغرب فصلى معهم، وبعد انتهائهم من الصلاة نظروا إليه وهو مستمر في سجوده.. فقاموا وحركوه فإذا به قد فارق الحياة!!..

مات وهو ساجد؟.. نعم، مات وهو ساجد!… وشارب للخمر، ويقبضه ربه وهو على ذاك الحال.. ترى ماذا كان يتمتم بشفاه، ويبوح في نجواه، مع ربه وهو في سجدته الأخيرة التي قبضه الله عليها.. هو بعيد عن الله بشربه للخمر، لكنه قريب من الله بسجوده.. والله أعلم ماذا كان يفعل أكثر من ذلك..

 

السر في ماذا؟

السر في توبته الصادقة وشعوره بضعفه، السر في قربه من الله، وهو ساجد، وحتى إن كان في تلك الحالة السيئة.. نعم.. وإن كان في تلك الحالة السيئة! طالما طرق باب الله، فالله بابه مفتوح للجميع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أقربُ مَا يَكونُ العبْدُ مِن ربِّهِ وَهَو ساجدٌ، فَأَكثِرُوا الدُّعاءَ) [رواهُ مسلم].

(كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب)، إن أردت أن تكون قريباً من القريب فاسجد واقترب.. إن وجدت هماً، وغماً، وضيقاً فاسجد واقترب: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ).

إن اردت وضاءةً، وبهاءً، وسعادةً فاسجد واقترب: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ).

وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: “السجود هو أعظم ما يظهر فيه ذلُّ العبد لربِّه عز وجل؛ حيث جعل العبدُ أشرَفَ ما له من الأعضاء، وأعزَّها عليه، وأعلاها حقيقة – أوضَعَ ما يمكنه، فيضعه في التراب مُتعفِّرًا، ويتبع ذلك انكسار القلب وتواضعه، وخشوعه لله عز وجل؛ ولهذا كان جزاء المؤمن إذا فعل ذلك أن يُقرِّبه الله عز وجل“.

 

اسم الله (القريب): قُربُ علمٍ من جميع الخلائق.. وقربُ حفظٍ، وتأييدٍ، ونصرٍ، وتوفيقٍ من المؤمنين.

 

فلذلك أعلى درجة من الإيمان أن تشعر أن الله معك، وأكبر ضمانة للاستقامة أن تشعر أن الله معك، وأكبر باعث للخشية أن تشعر أن الله معك، وأكبر مُطمئِنٍ لك أن تشعر أن الله معك.

(قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) بالموازين الأرضية لا أمل، فرعون بقوته، بجيشه، بطغيانه، بحقده، بجبروته، يتابع نبياً مع شرذمة قليلين من بني إسرائيل، إلى أن وصلوا إلى البحر، وانتهى الأمر، بالموازين الأرضية لا أمل في النجاة أبداً.

(قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) معية الله للمؤمنين معية النصر، معية التوفيق، معية التأييد، معية الحفظ، ومعية الله لأي إنسان كائناً من كان، حتى ولو كان ملحداً فهو معه معية العلم:

(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) إما أن تكون المعية معية علم لكل خلقه، وإما أن تكون المعية معية توفيق، وحفظ، وتأييد ونصر.

معية الله لها ثمن:

إلا أن المعية الخاصة لها ثمن، ولا شيء بلا ثمن.

(وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ معية الله عز وجل لها ثمن، وأعلى درجة الإيمان أن تشعر أن الله معك، قريب منك، هو أقرب إليك من حبل الوريد، قال بعض العلماء: أقرب إليك من روحك.

يقترب الأب من طفله، وولده الصغير فيحتضنه ويسعد به، ولكن يستحيل أن يصل القرب لأكثر من ذلك (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)، الله أقربُ إلينا..

نلاطف أولادنا ونسعد بهم ولكن ليس طيلة اليوم فإن وهم يملون، ولكن القريب سبحانه (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) قربه الدائم ليس فيه ثقل كما يحدثُ مع أعز الناس معنا فلو أعز صديق رافقنا طيلة الأوقات لمللنا أما مع الله فياله من جمال قربٍ، قرب فيه تلذذ فيه سعادة فيه ارتياح فقط استشعر قرب الله منك..

لماذا تستشعر فقط بقرب الله عند المعصية فقط.. فالله بين لنا بأنه قريب منا في كل شؤون حياتنا، وذكر في بداية الآية عند تلاوتنا لكتابه فقال سبحانه (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) آيات تسعد من يقترب من ربه.

ثم يتبع اسم (القريب) بالمجيب فيقول سبحانه: (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ).

 

مجيب السائلين حملت ذنبي … و سرت على الطريق إلى حماك

و رحت أدق بابك مستجيراً … ومعتذراً و منتظراً رضاك

دعوتك يا مفرج كل كرب … و لست ترد مكروباً دعاك

و تبت إليك توبة من تراه … غريقاً في الدموع و لا يراك

 

في خضم معترك الحياة تحتاجُ إلى معين نعتمد عليه، قريب نقترب منه، قوي جليل تتقوى بقواه، عظيم كبير نحتمي بحماه فيكون مفتاحُ ذلك هو (الدعاء).

تسقط القوة وتعيا الحيلة فليس إلا الدعاء

تضيق الدنيا بأهلها فليس إلا الدعاء

الدعاء باب الخير، والعون، والعطاء..

 

ومن معاني القرب قرب الحظوة، أحيانا يكون الإنسان قريبا من إنسان يحتل مركزا مرموقا، وله رجلٌ قريب جداً منه، بإمكانه أن يدخل عليه بلا استئذان، بإمكانه أن يبوح له بكل شيء، هذا قربُ الحظوة، وعندنا قرب مكان، وقرب زمان، وقرب حظوة، هذا المعنى في قوله تعالى:

(فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ) كيف هو قريب؟ قال: هو قريب من خلقه كما شاء، وكيف شاء، هو القريب من فوق عرشه، أقرب إلى عباده من حبل الوريد، كما قال تعالى:

(وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) ، (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ)

إنسان حضرته الوفاة، أقرباءه، زوجته، أولاده، إخوته حوله، قريبون منه، يضعون يدهم على جبينه، وهذا على يده يقيس ضغطه، كل هذا القرب قال تعالى:

(وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ) لذلك حينما تصل إلى أن تؤمن أن الله معك دائماً، تكون قد قطعت تسعة أعشار الطريق إلى الله، والإحساس بقرب الله عز وجل أكبر باعث على طاعته، وأكبر باعث على الخشية منه، والإنسان حينما يرى أن الله معه يقبل عليه.

 (يا موسى أتحب أن أكون جليسك قال: كيف ذلك يا رب ؟ أما علمت أني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني) [ورد في الأثر]

لذلك القرب من الله قمة التدين، قمة الإيمان أن تكون قريباً من الله، القرب من الله يعني الانضباط، القرب من الله يعني الشعور بالأمن، القرب من الله يعني الشعور بالسكينة، القرب من الله يعني الشعور بالسعادة، الشعور بالرضا، هذه المعاني الدقيقة جداً لذلك في قوله تعالى:

(إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾  ذكر الله لكم وأنتم تتصلون به أكبر من ذكركم له، وأنتم تعبدونه، لأن الله إذا ذكر الإنسان منحه نعمة الأمن، والأمن بشكل أو بآخر خاص بالمؤمنين، قال تعالى:

(فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ).

 

يقول الله عن علوه مع قربه: (الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى)، قربٌ مع رحمة، ومعية أرحم الراحمين..

وفي كل سؤال يسألون الرسول الله (يسألونك)، يجيبهم القريب بـ (قل..)، إلا في آية واحدة، وسؤال واحد: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) وهنا لم يقل سبحانه (قل) بل أجاب بنفسه عن نفسه: (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).

 

برنامجٌ عملي للعبد للشعور بقرب الرب منه:

  1. القرب من الله الذي يولد اليقين بقدرته، وجوده، وعطائه..
  2. الاستمتاع بالسجود بين يديه، وكثرة مناجاته، من دون عناء ولا ملل..
  3. التخلق بأخلاق القرب من الله، وكل قريب لك تقرب منه وإن جفاك، فكيف بالله (القريب)..
  4. احرص على مواسم القرب والتقرب من الله ومنها: شهر رمضان، وليلة القدر.. وغيرها..

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

انشر.. وشارك من تحب الخير.

2 تعليقين على: اسم الله (القريب)

الصفحة 1 من 11
الصفحة 1 من 11

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال