تدبر القرآن الكريم

ما هو أكثر كتاب يُقرأ منه دون فهم؟

هل الروايات والقصص التي يتم شراؤها من دور النشر، كلا!!، فالروايات والقصص التي يتم شراؤها بالتأكيد ممن يقرأها يستمتع بها ويفهمها.

هل الكتب الدراسية التي يتعلمها الطلاب في المدارس؟ كلا!!، فمن المستحيل أن يُختبر الطالب في كتب لا يفهمها.

 

إذن ما هو أكثر كتاب يُقرأ من دون فهم؟

للأسف .. أكثر كتاب يُقرأ من دون فهم هو القرآن الكريم..

 

فهل تعلمون لماذا؟!

لأننا قدمنا قراءة الإنجاز على قراءة التدبر، ونعني بقراءة الانجاز: أن تقرأ لهدف كسب الثواب والأجر والبركة، وهذا خير  في حد ذاته، وفي الحديث عن عَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُودٍ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ) ، [رواه الترمذي وصححه الألباني]،  فتخيل كم سيأتيك من الأجر؟

وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فذاك يقرأ في كل يوم من القرآن جزءً، والآخر يقرأ اثنين، وهناك من يختمه مرة، وآخر يختمه مرتين، وهنالك أكثر، وكلٌ يأخذ بركة تلاوته، فالله تعالى قال: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ).

ولكن هذا لا يعني أن يكتفي العبد بذلك، ويترك الهدف الرئيس، والغرض الأساس، الذي أنزل من أجله القرآن الكريم: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ).

وعن ابن مسعود قال: (لَا تَهُذُّوا الْقُرْآنَ، كَهَذِّ الشِّعْرِ، وَلَا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقَلِ، وَقِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ، وَحَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ). وفي رواية:  (لا تنثروه نثر الدقل، ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة).

وقال أبو حمزة: قلت لابن عباس: (إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث)، فقال: (لأن أقرأ البقرة في ليلة فأتدبرها، وأرتلها خير من أن أقرأ كما تقول). وقال مرة: (خير من أجمع القرآن هذرمة).

 

ما هو التدبر؟

التدبر: هو التفكر، والتأمل، والنظر في آيات القرآن الكريم من أجل إدراك ما وراء الآيات من: المعاني، والدلالات، والغايات، والحكم، وليحص المراد منه: الخضوع لأوامره، واليقين بأخباره.

تدبر القرآن الكريم من العبادات القلبية والعقلية معا، فالمسلم يتلقى القرآن بقلب خاشع وخاضع، ثم يتفكر فيه، وفي معانيه، ليستنبط منه ما ينفعه في الدنيا والآخرة، قال السعدي في معنى التدبر “وهو التأمُّل في معانيه، وتحديقُ الفكرِ فيه وفي مبادئه، و عواقبه، ولوازم ذلك“. [تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن]

وخلاصة ما جاء عن أهل العلم في معنى تدبر القرآن هو: تفهم معاني ألفاظه، والتفكر فيما تدل عليه آياته، مطابقة أو ضمنا، من الإشارات والتنبيهات، وانتفاع القلب بذلك بخشوعه عند مواعظه، وخضوعه عند أوامره ونواهيه، واخذ العبرة منه. [انظر: تفسير ابن كثير، التبيان في أقسام القرآن لابن القيم، القواعد الحسان للسعدي].

 

حاجة القلب إلى تدبُّر القرآن الكريم:

فالقلب فيه وحشة لا تُزال إلاَّ بالأنس بكتاب الله تعالى، والتَّأمُّل في آياته، وفيه قلق وخوف لا يؤمِّنه إلاَّ السُّكون إلى ما بشَّر الله تعالى به عباده، وفيه فاقة لا يغنيها إلاَّ التَّزوُّد من حِكَمِ القرآن ومواعظه وعبره، وفيه حيرة واضطراب لا ينجيه منها إلاَّ الاعتصام بكتاب الله تعالى.

ولقد حذَّر الله تعالى عباده المؤمنين من التَّمادي في هجر القرآن، فتكون نتيجته قسوةَ القلوب، فقال تعالى: ? أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ? [الحديد: 16].

قال محمد بن كعب رحمه الله: “كانتِ الصَّحابة بمكَّة مُجْدبين فلمَّا هاجروا أصابوا الرِّيف والنِّعمة، ففتروا عمَّا كانوا فيه، فقست قلوبهم، فوعظهم الله فأفاقوا“. [تفسير القرطبي، تفسير الثعالبي]. والعتاب لعامَّة المؤمنين أحرى وأولى، فما ظنكم بالعصر المادي الذي نعيش فيه، فنحن أحوج ما نكون إلى خشوع القلب لذكر الله تعالى.

فمَنْ أراد أن يخشع قلبه، وينشرح صدره، فلا غنى له عن التَّفكُّر والتَّمعُّن في الآيات الكريمات، ولا يكن همُّه – إذا افتتح السُّورة – أن يقول في نفسه: متى أختمها.

قال الآجرِّي رحمه الله: “فالمؤمن العاقل إذا تلا القرآن استعرض القرآن، فكان كالمرآة يرى بها ما حَسُن من فعله وما قَبُحَ فيه، فما حذَّره مولاه حَذَره، وما خوَّفه به من عقابه خافه، وما رغَّب فيه مولاه رَغِبَ فيه ورجاه“. [أخلاق حملة القرآن].

 

ينبغي على قارئ القرآن أن يسأل نفسه: متى أتَّعظ بما أتلوه؟ ولا يكن همه: متى أختم سورهُ؟ وإنَّما يكون مراده: متى أعقل من الله الخطاب؟ متى أزدجر؟ متى أعتبر؟ لأنَّ تلاوة القرآن عبادة، والعبادة لا تكون بغفلة.

وقراءة القرآن بالتَّفكُّر هي أصل صلاح القلب واستقامته، ولا شيء أنفع للعبد في معاشه وأقرب إلى نجاته في معاده من تدبُّر القرآن العظيم؛ وفي هذا الشَّأن يقول ابن القيِّم رحمه الله: “فلا شيءَ أنفعُ للقلب من قراءة القرآن بالتَّدبُّر والتَّفكُّر… فلو عَلِمَ الناسُ ما في قراءة القرآن بالتَّدبُّر، لاشتغلوا بها عن كلِّ ما سواها… فقراءةُ آيةٍ بتفكُّرٍ وتفهُّمٍ خَيرٌ من قراءةِ ختمةٍ بغيرِ تدبُّرٍ وتفهُّم، وأنفعُ للقلب، وأدعى إلى حصولِ الإيمان وذَوْقِ حَلاوةِ القرآن… فقراءةُ القرآنِ بالتَّفكُّرِ هي أصلُ صَلاحِ القلب“. [مفتاح دار السعادة].

أثنى الله عزّ وجل – في مواضع كثيرة من القرآن – على مَنْ تدبَّر كلامه وتأثَّر به، وبيَّن أن ذلك صفةُ عباد الله الخاشعين، ومن أبرز هذه المواضع:

قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ). [الأنفال: 2 – 4].

ووجه زيادة إيمانهم – عند سماع القرآن: هو أنَّهم ألقوا السَّمع للقرآن، وأحضروا قلوبهم لتدبُّره، فعند ذلك ازداد إيمانهم ويقينهم.

فالتَّدبُّر يُحدث رغبةَ الخير، واشتياقاً إلى كرامة الله تعالى لهم، ووَجَلاً من عقوباته، وزجراً عن معاصيه، وكلُّ هذا ممَّا يزداد به الإيمان.

 

وقد ذمَّ الله تعالى – في عدة مواضع – حالَ مَنْ هجر تدبُّر القرآن، ولم يفقه الآيات، ولم يدَّبَّرِ القول في صيغ مختلفة، وأحوال متنوِّعة، ومنها:

1- قوله تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ) [النساء: 82]؛ [محمد: 24].

قال القرطبي رحمه الله: “عاب المنافقين بالإعراض عن التَّدبُّر في القرآن، والتَّفكُّر فيه، وفي معانيه“. [تفسير القرطبي].

وزاد الشَّنقيطي رحمه الله الأمر بياناً، بقوله: “ومعلوم أنَّ كُلَّ مَنْ لم يشتغل بتدبُّر آيات هذا القرآن العظيم – أي تصفُّحها وتفهُّمها، وإدراك معانيها، والعمل بها – فإنَّه مُعْرِض عنها، غَيرُ متدبِّر لها، فيستحقُّ الإنكارَ والتَّوبيخَ المذكورَ في الآيات – إنْ كان الله أعطاه فَهْماً يَقْدِرُ به على التَّدبُّر… وهذه الآيات المذكورة تدلُّ على أنَّ تدبُّر القرآن وتفهُّمه، وتعلُّمه، والعمل به أمر لا بدَّ منه للمسلمين… فإعراض كثير من الأقطار عن النَّظرِ في كتاب الله وتفهُّمه، والعملِ به، وبالسُّنَّةِ الثَّابتة المبيِّنة له، من أعظم المناكِرِ وأشنعها“. [أضواء البيان].

 

ومن الآيات التي تذم ترك التدبر:

2- قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) [المؤمنون: 68].

أنكر الله تعالى على الكفار عدمَ تفكُّرِهم في القرآن، وعدك تأمُّلِهم في مواعظه وعبره، وعدم تدبُّرِهم لآياته. فإنَّهم لو تدبَّروه لأوجب لهم الإيمان، ولمنعهم من الكفر، ولكنَّ المصيبة التي أصابتهم هو إعراضهم عن تدبُّر القرآن. وهذا يدلُّ على أنَّ تدبُّر القرآن يدعو إلى كلِّ خير، ويعصم من كلِّ شر. [انظر: التحرير والتنوير، تفسير السعدي].

3- قوله تعالى: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) [الفرقان: 30].

قال ابن كثير رحمه الله: “وترك تدبُّره وتفهُّمه من هجرانه“. [تفسير ابن كثير].

4- وجاء في وصف الخوارج، قوله صلّى الله عليه وسلّم: “يَقْرَؤُونَ القُرآنَ لا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ، أو حَنَاجِرَهُمْ” [رواه البخاري].

قال النَّووي رحمه الله – في المراد بذلك: “ليس حظُّهم من القرآن إلاَّ مروره على اللِّسان، فلا يجاوز تراقيهم ليصل قلوبهم، وليس ذلك هو المطلوب، بل المطلوب تعقُّله وتدبُّره بوقوعه في القلب“. [صحيح مسلم بشرح النووي].

والتَّعقُّل والتَّدبُّر يقود إلى العمل.

وقال الزَّركشي رحمه الله: “ذمَّهم بإحكام ألفاظِه، وتركِ التَّفهُّم لمعانيه“. [البرهان في علوم القرآن].

 

قال بعض العلماء: “تؤخذ ألفاظ القرآن من حفاظه، وتؤخذ معانيه ممن يُعانيه“.

فقد جمع القرآن الكريم: الأحوال، والأوصاف، والأفعال (وقَيَّمها)، فذكر (أحسنَها)، وضرب لنا (الأمثال) لنهتدي، ونقتدي، ونتخلق بها، وذكر لنا (سَيِّئَهَا) لنعرفها فنتجنبها، ونتركها.. ولنعتذر، ونستغفر إذا فعلنها، وألا تكون سجية لنا، وعادة فينا.

 

فليس بعد المعرفة والعلم إلا العمل والتخلق..

القرآن كتاب مسطور..

والكون قرآن منظور….

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

انشر.. وشارك من تحب الخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال