استثمار شهر شعبان

إن الطيار المتدرب قبل أن يقود الطائرة ليحلق بالناس في الفضاء لابد أن يتدرب على الهيكل التدريبي المصغر في الأرض ثم بعد اتقان التدريب والتأكد من القدرة الكاملة على الطيران، والانتهاء والتجهيزات، ومن الجاهزية الكاملة يبدأ تحليقه بالطائرة في السماء والتأكد من قياده الطائرة.

لقد رزقنا الله الكريم المعطى شهر شعبان ليكون تهيئة واستعداداً لشهر رمضان المبارك، وقد قال بعض الفضلاء: (الاستفادة على قدر مراتب الاستعداد، ومن استعد استمد).

 

لقد مضت من سنتنا سبعة أشهر، ولو استعرضنا ما قدمنا فيها وما فرطنا لشعرنا بالخجل الكبير!

كم بقي على شهر رمضان؟

بقي على شهر رمضان النية الصادقة، النية الحقيقية التي لو قُبض العبد عليها حتى ولو لم يدرك شهر رمضان لأعطاه الكريم على قدرها.

نريد النية التي يتبعها العمل، النية التي تغير فيها السيئ فينا إلى حسن. تخيلوا ذلك الرجل الذي عُرف بكثرة غضبه وقد نوى ان يصوم في شهر شعبان اقتداء بفعل رسول الله صلى الله وعليه وسلم كما جاء عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ) فيقتدي به في كثرة الصيام في شعبان، وينوي ذهاب ذلك الغضب مكثراً، من الدعاء والالتجاء الى الله، ترى كيف سيستقبل هذا الشهر رمضان وقس على ذلك من يريد التخلي عن النظر المحرم، أو تعاطي المسكرات، أو غير ذلك أن يربي ذاته على الصبر والصلاة يأتي الصيام كبوابة لعلاج ذلك.

 

 كثرة صيامه صلى الله عليه وسلم في شعبان:

لما كان شعبان كالمقدمة لرمضان فحسن أن يكون فيه شيء مما يكون في رمضان من صيام.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله استكمل صيام شهر إلا رمضان وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان) [رواه البخاري، ومسلم]

قال الامام ابن حجر رحمه الله تعالى: (في الحديث دليل فضل الصوم في شعبان) [بلوغ المرام].

وقال الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى: (وأما صيام النبي صلي الله وعليه وسلم من أشهر السنة فكان يصوم من شعبان ما لا يصوم من غيره من الشهور)  [لطائف المعارف].

وقال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى: (وفيه دليل على أنه يخص شعبان بالصوم أكثر من غيره) [سبل السلام].

 

 الحكمة في اكثاره -صلى الله وعليه وسلم الصيام في شعبان:

  1. أفضل الصيام بعد رمضان ايام شهر الله الحرام محرم.
  2. كان عليه الصلاة والسلام يصوم في أيام شعبان ما لا يصوم في غيره من الشهور.
  3. باقي ايام الشهور في الأفضلية سواء الا ما ورد فيه نص كصيام يوم عرفة وعاشوراء وشوال. الخ.

 

قال الامام ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان حكمه الصيام في شعبان: (وفيه معان وقد ذكر منها النبي صلى الله وعليه وسلم أنه لما اكتنفه شهران عظيمان: الشهر الحرام (رجب)وشهر (رمضان) اشتغل الناس بهما عنه فصار مغفولا عنه. وكثير من الناس يظن ان صيام رجب أفضل من صيام شعبان لأنه شهر حرام وليس كذلك) [لطائف المعارف].

 

الإعجاز العلمي في صيام شعبان:

 

لقد ثبت علميًّا أنّ الجسم في أيام الصّوم الأولى يبدأ باستهلاك مخزونه الاحتياطيّ من الدّهون والبروتينات وغيرها (لتعويض النّقص الحاصل بسبب تقليل الطّعام) فينتج عن ذلك سموم تتدفق في الدّم كما يقول أهل الاختصاص، قبل أن يتخلص منه الجسم مع الفضلات، مما يؤدي إلى شعور الصّائم ببعض الأعراض: كالصداع والوهن وسرعة الغضب وتغيُّر المزاج وقد يشتم ويسب.. إلخ ممّا قد يضطرّه لأن يترك الصّيام أحيانًا. وهذه الأعراض تزول بعد أن تعود نسب الهرمونات إلى وضعها الطّبيعيّ في الدّم خلال أيام من بدء الصّوم -بإذن الله تعالى – (وهذا ملاحظ لدى الصّائمين).

فصيام شعبان (المسنون) كالتّمرين على صيام رمضان (المفروض)، حتى لا يدخل المسلم في صوم رمضان على مشقةٍ وكلفةٍ. والله – سبحانه وتعالى – أعلم.

 

الصيام في اخر شعبان:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ إِلا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ) [رواه البخاري ومسلم] .

 

بعض الناس أذا شاهد شيئا من أطعمة شهر رمضان قال: يا لله ذكرتنا شهر رمضان!

افلا نذِّكر أنفسنا بعبادات رمضان قبل رمضان؟ من الصدقات وقيام الليل وغير ذلك..

 

 ماهي تراتيب الاستقبال التي اعددناها في هذا الشهر لشهر رمضان؟

من لم يعرف قيمه هذا الشهر ـ شهر شعبان ـ فأقول: فقد أوضح لنا نبينا صلى الله وعليه وسلم بأنه شهر يغفل الناس عنه

من لم يعرف قيمه هذا الشهر فأقول: قد أيقظنا صلوات الله وسلامه عليه من سباتنا، وأوضح أن حدثا عظيما يحدث في هذا الشهر.

هل تعلمون ما هو؟

هو أنه شهر ترفع فيه الاعمال إلى رب العالمين، ثم أوضح لنا الاستثمار الاعظم والانجح والأمثل وقت ارتفاع اعمالنا في هذا الشهر المبارك قال عليه الصلاة والسلام: (وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) فهل نحب ذلك نحن؟!.

 

فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسولَ الله، لم أرَك تصوم شهرًا مِن الشهور ما تصومُ مِن شعبان؟! قال: (ذلك شهرٌ يغفُل الناس عنه بين رجَب ورمضان، وهو شهرٌ تُرفَع فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، فأحبُّ أن يُرفَع عمِلي وأنا صائِم) [مسند أحمد وسُنن النسائي، وحسنه الألباني].  أي: أننا كأمة إسلامية نغفل عن هذا الشهر ونعتقد أن شهر رجب والصيام به أفضل من شهر شعبان باعتبار أن شهر رجب من الأشهر الحرم ولكن هذا ليس صحيحا.

ويقول ابن رجب رحمه الله عليه: (ان صيام شهر شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم. وافضل التطوع ما كان قريبا من رمضان قبله وبعده وتكون منزلته من الصيام بمنزله السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها وهو كتكملة لنقص الفرائض وصيام ما قبل رمضان وبعده مثلما تكون السنن الرواتب افضل من التطوع المطلق بالصلاة فكذلك سيكون صيام ما قبله وبعده افضل مما بُعد عنه).

ولقد اختلف العلماء في أسباب كثره صيام رسول الله صلى الله وعليه وسلم بشهر شعبان وأشاروا في ذلك لعدة اقوال، منها:

الأول: نه كان ينشغل عن صيام الثلاثة ايام البيض من كل شهر لظروف السفر أو غيرها فتجتمع فيقضيها في شهر شعبان، وكان رسول لله صلوات الله وسلامه عليه إذا عمل بنافله أثبتها ويقضيها إذا فاتته.

والثاني: قيل إن نساء النبي من يصمن ما عليهن من ايام رمضان في شهر شعبان فكان يصوم لذلك ولكن هذا يناقض ما جاء عن السيدة عائشة عن أنها تؤخر قضاء رمضان الى شعبان لشغلها مع رسول الله عليه الصلاة والسلام عن الصيام.

الثالث: قيل لأنه شهر يغفل الكثير من الناس عنه وهذا الرأي هو الأرجح لحديث رسول الله  الذي قد تم ذكره سابقا وهو (ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان).

 

الصيام في اخر شهر شعبان:

في الصحيحين عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ: (هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا؟ يَعْنِي شَعْبَانَ) قَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَإِذَا أَفْطَرْتَ مِنْ رَمَضَانَ، فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ).

ولقد اختلف العلماء في تفسير السِرار بكسر السين، وقد قيل أنه يعني به: آخر الشهر؛ لاستسرار القمر أي: اختفاءه فيه، وكما جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله وعليه وسلم قد قال: (لا تقدموا رمضان بيوم أو يومين؛ الا من كان يصوم صوما فليصمه) [متفق عليه] اذا لدينا حديث بالحث على الصيام قبل رمضان، وحديث بالنهي، وقد ذهب كثير من العلماء في ذلك إلى أن الرجل الذي سأل رسول الله ربما كان عليه نذر بالصيام أو كان معتادا على الصيام لذلك حثه على الصوم.

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

انشر.. وشارك من تحب الخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال