الصلاة الخاشعة

الحياه فيها إجهاد! اما إجهاد مالي أو إجهاد نفسي أو إجهاد اجتماعي أو غير ذلك ونبينا صلى الله وعليه وسلم قبل بعثته كان يعاني من الإجهاد والهم الثقيل فدله الله على كيفيه إزالة هذا الهم الثقيل، وهذا الإجهاد فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ)!، نعم.. ماذا يفعل؟ ما هو الحل؟ (قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا).

إذا اهمنا أمر ما عظيما كان أم حقير، كبيرا كان أم صغير فنضعه بين يدي الله، ونعرضه على الإله الاحد الصمد، فسينجلي وستسعد في تلك اللحظات إلى أن شعرت ما فيها ستأخذ وقتا طويلا لتعيش معها.

الصلاة مجهدة، والصلاة ثقيلة، ومتعبة، وكبيرة، الا على الخاشعين (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)

الله سبحانه وتعالى غني عنا، وعن عبادتنا، وقد فرض علينا الصلاة لحاجه النفس البشرية إليها، ولحاجتنا إليها فمن تركها سيعيش في هم، وتعب نفس عميق وكبير. اقل ومقدار للشخص ليكون التوازن في هذه النفس هو خمس مرات في اليوم والليلة.

جميع الأديان سوى الإسلام من اليهود والنصارى والمشركين كثير منهم يصلون، ويبثون الشكوى لأربابهم، ويغمضون أعينهم؛ لتشكو جوارحهم، ولكنهم ضلوا الطريق إلى معرفة الله، وإلى الصلاة الخاشعة!

فلنحمد الله على نعمة التوحيد؛ فالأجساد والعقول والأفئدة لا تتجه بالصلاة والدعاء الا إلى إله واحد أحد صمد (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)

فلنهنئ، ولنحيي، ولنبارك لكل من خشع في صلاته، فلقد كان الفلاح من نصيبه (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ)، فهو الذي امتلئ قلبه سعادة وراحة لا تعدلها سعادة ولا تعدلها راحة، كيف لا؟ وهو عندما يسمع نداء الله: (حي على الصلاة، حي على الفلاح) يتهيأ ليحيي نفسه، ويحيي وجدانه؛ إنه سعيد: لأنه لن يقف الا أمام الله، أنه يتهيأ للوقوف الأعظم أمام الجميل سبحانه الذي خلق الجمال، فعَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ فَيَقُولُونَ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ قَالَ فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ وهي الزيادة ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ:  لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) [رواه مسلم].

عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ نَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ قَالَ: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَصَلاَةٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَافْعَلُوا) [رواه البخاري].

وذُكر إن الحور العين لا يعرفن أزواجهن بعد نظرهم لربهم فقد ازدادت وجوههم بهاء وجمالا لما رأت الجميل سبحانه.

جمال ربنا سبحانه وتعالى جمال مطلق لا يحيط به وصف، وكمال لا يتطرق إليه نقص.

فإلى كل من غلبه الشوق لرؤية الله تعالى نقول: ابشروا وهنأوا؛ فإن لنا موقفا نقفه جميعا تروى فيه أرواحنا بلقاء الجميل سبحانه!

ويقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يَسْتَقْبِلُ رَبَّهُ)، وَقَوْلِهِ: (فَاللَّهُ يُقْبِلُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ مَا لَمْ يَصْرِفْ وَجْهَهُ عَنْهُ)، وَقَوْلِهِ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ قِبَلَ وَجْهِهِ)، وَقَوْلِهِ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا، فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ) [رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ]. وَقَالَ: (إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، فَلَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ حَتَّى يَنْصَرِفَ، أَوْ يُحْدِثَ حَدَثَ سُوءٍ). وَقَالَ جَابِرٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا قَامَ الْعَبْدُ يُصَلِّي أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، فَإِذَا الْتَفَتَ أَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ: يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا خَيْرٌ مِمَّنْ تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِذَا الْتَفَتَ أَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ)، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ تُجَاهَ وَجْهِ الرَّحْمَنِ)، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ بَيْنَ عَيْنَيِ الرَّحْمَنِ، فَإِذَا الْتَفَتَ قَالَ لَهُ: ابْنَ آدَمَ إِلَى مَنْ تَلْتَفِتُ؟ إِلَى خَيْرٍ لَكَ مِنِّي تَلْتَفِتُ؟).

فهل بعد هذه الأحاديث لا يطيب لنفوس أن تسعد وترتاح في صلاتها؟ هل بعد أن عرفنا أن الله يقبل علينا بوجهه فهل هناك ارواح ستحرم نفسها الراحة والسعادة؟

اكثر الناس سعادة من يصلي ويقف بين يدي ربه من دون التفات حركي، او قلبي. تنهل روحه من جمال الله، وقوة الله، وعزة الله، وكرم الله. (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) ثم تكون النتيجة أن هذه الصلاة تبعدك عن الغضب، وعن الهم، وعن الضجر، وعن فعل المنكرات، وعن فعل الفحشاء، (وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا). [رواه مسلم] أي: ان الصلاة نور كاشف يضيء للمسلم دربه، يعرف بها الخير من الشر، والجمال من القبح.

أما إذا سرحنا في صلاتنا بعد ما سمعنا هذه النصوص، فليس لنا إلا أن نواجه خطاب الخالق لأنفسنا الذي قال (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

فليس المهم أن نهتم بتغذية بطوننا بالطعام، واجسادنا براحة المنام، ولكن ! المهم ألا نجعل أرواحنا محرومة من غذائها، ودوائها وسكنها، وسعادتها .. صدق رسولنا الكريم الذي كان يقول لبلال: (ارحنا بها يابلال) رضي الله عنه.

لنقبل على الرحيم الودود الكريم بقلوبنا، وعقولنا، وارواحنا، واجسادنا، لنصل الى ارواح ترفل وتهتز فرحا وسرورا بنهلها من (حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ). فيمتلئ القلب بجلاله (ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ) وتعظيمه ومحبته ورجائه وخوفه (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)

إنها الصلاة الخاشعة:

  • الصلاة تبعدك من الغضب، وعن الفحشاء والمنكر.
  • الصلاة تزيل الهم، والغم كان صلى الله وعليه وسلم (إذا أصابه هم فزع الى الصلاة)، وكلمة (فزع) أي: أنه صلى الله وعليه وسلم كان يهرع الصلاة؛ لأنها وقت مستقطع من مشاكل الحياة الى الاطمئنان بالله، وتسليم لله مع التفكر والتأمل البناء الذي يخرج السلبية من الإنسان ويعزز فيه الإيجابية بحمد الله، وتسبيحه وشكره والتوكل عليه.
  • الصلاة تحدث الانشراح في الصدر والراحة النفسية ومحو الخطايا، والآثام لان الأخطاء والآثام التي نرتكبها تترسب وتتراكم في العقل والذاكرة؛ ونحن في الصلاة نتوب ونتقرب الى الله، يغفر ويزيل الهموم وهذا يجعل المسلم في حاله نفسيه منشرحة: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ وَفِي حَدِيثِ بَكْرٍ : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ ؟ قَالُوا : لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ ، قَالَ : فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا).
  • الصلاة تغذي الأرواح؛ اذا جعنا ملئنا بطوننا بالطعام، واذا أتانا النعاس ارحنا أجسادنا بالنوم، ولكن هل سألنا أنفسنا كيف نريح ارواحنا؟ نريحها بالصلاة، لذلك كان يقول صلى الله وعليه وسلم لبلال: (ارحنا بها يا بلال).
  • الحب في الصلاة، وقره العين، وقوت المحبة، فإنه ليس كل محبوب تقر به العين، وانما تقر العين بأغلى المحبوبات لذلك قال صلى الله وعليه وسلم (حُبب اللي من دينكم النساء والطيب، وجعلت قره عيني في الصلاة)، وقد أصبحت قره عينه صلى الله وعليه وسلم في الصلاة لما فيها من مناجاة ربه، ومن لا تقر العيون ولا تطمئن القلوب، ولا تسكن النفوس، الا إليه، ولتنعم بذكره والتذلل والخضوع له، والقرب منه، ولا سيما في حال السجود وتلك الحال (أقرب ما يكون العبد من ربه فيها).
  • حث الأهل على أمر الصلاة، والإشكالية التي لدى بعضهم فيحسب ان المسالة هي أن تقول لهم: هيا إلى الصلاة، من دون صبر ومجاهدة وبذل وسع لتحبيبها لهم:يقول تعالى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)، عن عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلَّا عُشْرُهَا تُسْعُهَا ثُمُنُهَا سُبُعُهَا سُدُسُهَا خُمُسُهَا رُبُعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا) [رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني].

 

البرنامج العملي.. هو أن نراقب خشوعنا في صلاتنا!

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال