سلامة القلب

نستطيع أن نقف في العمل لساعات طويلة، ويستطيع الجسد أن يتحمل ذلك؛ لكن حين نصلي ونقرأ من قصار السور ننتظر متى تنتهي الصلاة! مع أن الجسد قادر على أن يقف؛ ولكن الحقيقة المؤلمة أن الخلل ليس في الجسد إنما الخلل في القلب.

– حينما نحرص على الاستيقاظ للدوام، وللمدرسة، ولا نستطيع أن نستيقظ لصلاة الفجر؛ فإن مشكلتي ليست في أني لا أستطيع الاستيقاظ مبكراً، بل في إن قلبي لا يستطيع أن يصحو لله، ولكنه يصحو لأمور الدنيا!

-إذًا مشكلة .. كل المشكلة.. ليست أننا لا نستطيع، فنحن مكلفون بما نستطيع؛ لكن قلوبنا لا تستطيع فالتعلق بالحياة قد أفسدها.

لابد لنا من وقفة جاده مع قلوبنا قبل رمضان؛ نحتاج أن نعرف الداء بشكل جيد، ثم نصف الدواء للعلاج.

– ما أهميه سلامه القلب عند الله وعند رسول الله صلي الله وعليه وسلم ..

قال تعالى: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).

(يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ).

(أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ).

– ويقول صلي الله وعليه وسلم: (أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ). [أخرجه البخاري في الصحيح].

 

كيف يكون المدخل لفساد القلب؟ ..

تكون البداية بتسميه الاشياء بغير اسمها؛ فمثلا المراوغة والخداع نسميها ذكاءً وحسن تصرف، يلبسها علينا إبليس بذلك فيتأثر القلب، وكذا نسميها شهامة ونخوة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)

-الوقوف مع أقربائي أو من هو من قبيلتي أو جنسيتي فاستنقص من الغير بهدف أراه نبيلا بأن لا بد كل فئة من الناس تعرف قدرها فأصل للسخرية والعنصرية من حيث لا أعلم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ… الآية)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).

فيتأثر القلب، ثم يزداد القلب بتراكمات لذلك إلى أن يصل إلى البغضاء، ثم تتطور المشكلة إلى الكبر ثم الحسد وهي تمني زوال النعمة من الغير.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: (لا تَحاسدُوا، وَلا تناجشُوا، وَلا تَباغَضُوا، وَلا تَدابرُوا، وَلا يبِعْ بعْضُكُمْ عَلَى بيْعِ بعْضٍ، وكُونُوا عِبادَ اللَّه إِخْوانًا، المُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم: لا يَظلِمُه، وَلا يَحْقِرُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، التَّقْوَى هَاهُنا ويُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مرَّاتٍ بِحسْبِ امرئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِر أَخاهُ المُسْلِمَ، كُلّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حرامٌ: دمُهُ، ومالُهُ، وعِرْضُهُ) رواه مسلم.

 

كيف أعيد لقلبي سلامته ما هو العلاج؟.

أولا: توجيه خطاب الآيات والأحاديث لنفسي لذلك قال يوسف عليه السلامة والذي لم يرتكب جرما ابدا في حق اخوانه في نهاية الامر (مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي).

وكلنا نعلم ماذا فعلو فيه إخوانه برميه في البئر، وبيعه عبداً، ثم كانت فتنه النساء، ثم فتنة السجن.

 

ثانيا: ان لا ارى نفسي خيرا من أحد غيرها لأن هذه النظرة مبتدأ شرار (الكِبر) الذي قال عنه صلوات ربي عليه وسلامه: (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ).

 

ثالثا: تربية النفس على التغافل، ومما يعين على ذلك:

  1. استشعار معية الله: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ).
  2. المداومة على ذكر الله: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ)، وفي الذكر كذا العلاج، فمثلا عند الخروج من المنزل نقول كما في حديث أُمِّ المُؤمِنِينَ أُمِّ سلَمَةَ رضي اللَّهُ عنها أن النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كانَ إذَا خَرجَ مِنْ بيْتِهِ قالَ : (بسم اللَّهِ، توكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذُ بِكَ أنْ أَضِلَّ أو أُضَلَّ ، أَوْ أَزِلَّ أوْ أُزلَّ ، أوْ أظلِمَ أوْ أُظلَم ، أوْ أَجْهَلَ أو يُجهَلَ عَلَيَّ) [رواه أبو داود والتِّرمذيُّ]، مع قراءة المعوذات ايضا قراءة تدبر..
  3. التركيز على الأثر الذي تريد أن تضعه قبل الممات لقد كان تركيز نبينا صلوات الله وسلامه عليه وجميع الأنبياء ان يدخل الناس في التوحيد وكما كانوا يعتنون بكلمه التوحيد، وكذلك اعتنوا بتوحيد الكلمة واي شيء يشغلهم عن ذلك الهدف لا يلتفتون إليه.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: (جَاءَ أَعْرَابِيُّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَعْطِنِي، فَإِنَّكَ لَا تُعْطِي مِنْ مَالِكِ وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ، وَأَغْلَظَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَثَبَ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: يَا عَدُوَّ اللَّهِ تَقُولُ هَذَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: «عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَّا أَمْسَكْتُمْ» . فَدَعَاهُ فَدَخَلَ بَيْتَهُ فَأَعْطَاهُ فَقَالَ: «أَرَضِيتَ؟» قَالَ: لَا، ثُمَّ أَعْطَاهُ أَيْضًا، فَقَالَ: «أَرَضِيتَ؟» قَالَ: لَا، ثُمَّ أَعْطَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: «أَرَضِيتَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاخْرُجْ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّكَ قَدْ رَضِيتَ؛ فَإِنَّ فِي قُلُوبِهِمْ عَلَيْكَ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَتَدْرُونَ مَا مَثَلِي وَمَثَلُ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ؟، مَثَلُ رَجُلٍ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، مَعَهُ زَادُهُ وَرَاحِلَتُهُ فَنَفَرَتْ رَاحِلَتُهُ فَاتَّبَعَهَا النَّاسُ، فَمَا زَادُوهَا إِلَّا نُفُورًا، فَقَالَ: دَعُونِي فَإِنِّي أَعْلَمُ بِنَاقَتِي مِنْكُمْ، فَعَمَدَ إِلَى قُمَامِ الْأَرْضِ – يَعْنِي الْحَشِيشَ – فَجَعَلَ يَقُولُ لَهَا: هُوِّي هُوِّي، حَتَّى رَجَعَتْ، فَأَنَاخَهَا فَحَمَلَ عَلَيْهَا زَادَهُ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى مَتْنِهَا، فَلَوْ تَرَكْتُكُمْ حِينَ قَالَ مَا قَالَ فَقَتَلْتُمُوهُ، دَخَلَ النَّارَ فَمَا زِلْتُ حَتَّى فَعَلْتُ مَا فَعَلْتُ وَقَالَ مَا قَالَ)…

 

وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ). [رواه ابن ماجة وصححه الألباني].

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

انشر.. وشارك من تحب الخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال