نداء الحياة

..دعوة إلى التوحيد .. دعوة إلى التبليغ .. دعوة إلى للفلاح .. دعوة إلى الحق .. دعوة إلى الهدى .. دعوة للراحة والسكينة.. إنها  (الدعوة التامة.. نداء الحياة).

عندما تزدحم النداءات؛ نداء جرس الاستيقاظ للعمل، ونداء المدير والمسؤول، ونداء التسديد، وآخر نداء للنوم.. ومن بين تلك النداءات يصدح نداء الحياة الحقيقية نداء الحق، نداء التوحيد، نداء الدعوة التامة، لتحيا به القلوب، وتسعد به النفوس، وترفل به الأفئدة، فيدحر الشيطان، وتهنأ وتفرح وتسعد نفس كل مؤمن تقي نقي.

وهل هناك أفضل وأحسن وأرقى وأنقي من دعوة ليست ناقصة؟ بل دعوة تامة من رب إذا أعطى أدهش ..  عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءهُ).  [البخاري].

يقول ابن القيم: (للعبد بين يدي الله موقفان! موقف بين يديه في الصلاة، وموقف بين يديه يوم لقائه فمن قام بحق الموقف الاول هون عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا الموقف ولم يوفه حقه شدّد عليه ذلك الموقف).

وذكر ابن القيم جملة من هذه النصوص (.. كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يَسْتَقْبِلُ رَبَّه“، وَقَوْلِهِ: “فَاللَّهُ يُقْبِلُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ مَا لَمْ يَصْرِفْ وَجْهَهُ عَنْهُ“، وَقَوْلِهِ: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ قِبَلَ وَجْهِهِ“، وَقَوْلِهِ: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا، فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِت” رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: “إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، فَلَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ حَتَّى يَنْصَرِفَ، أَوْ يُحْدِثَ حَدَثَ سُوءٍ“. وَقَالَ جَابِرٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِذَا قَامَ الْعَبْدُ يُصَلِّي أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، فَإِذَا الْتَفَتَ أَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ: يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا خَيْرٌ مِمَّنْ تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِذَا الْتَفَتَ أَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ” وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “«إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ تُجَاهَ وَجْهِ الرَّحْمَنِ“، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ بَيْنَ عَيْنَيِ الرَّحْمَنِ، فَإِذَا الْتَفَتَ قَالَ لَهُ: ابْنَ آدَمَ إِلَى مَنْ تَلْتَفِتُ؟ إِلَى خَيْرٍ لَكَ مِنِّي تَلْتَفِتُ؟”. انتهى.

 

فالأذان .. هو الذي يهيئ النفوس للوقوف بين يدي الله.

وهو الدعوة التامة هو نداء الحياة، لتحي القلوب، ولتذوق طعم الحياه الحقيقي..

لقد بلغ الأمر مداه عند رسول الله صلي الله وعليه وسلم لدرجه أن الامر لو أحتاج للاستهام للفعل، فإليك هذه الفضائل :

1- الاستهام على الأذان :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) [صحيح البخاري]، قال الامام النووي معناه أنهم لو علموا فضيلة الأذان وقدرها وعظيم جزائها ثم لم يجدوا طريقا يحصلونه به لضيق الوقت عن اذان بعد أو لكونه لا يؤذن للمسجد الا واحد لاقترعوا في تحصيله..

2- الشيطان يفر من الأذان :

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين..) [البخاري]، قال الحافظ ابن حجر: (والحكمة في هروب الشيطان عند سماع الأذان والإقامة دون سماع القرآن والذكر في الصلاة؛ فقيل يهرب حتى لا يشهد للمؤذن يوم القيامة فإنه لا يسمع المؤذن جن ولا إنس الا شهد له).

 

3-الجن والانس وكل شيء يشهد للمؤذن:

فقد جاء من حديث عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ ثُمَّ المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، قَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ، أَوْ بَادِيَتِكَ، فَأَذَّنْتَ بِالصَّلاَةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ: (لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ، جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ)، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

 

كيف شرع الأذان؟

من جمله الروايات التي جاءت في طبقات ابن سعد وغيره أنه عندما صرفت القبلة إلى الكعبة ذكر المسلمون الأمر فذكر بعضهم البوق وذكر بعضهم الناقوس وذكر بعضهم نارا توقد كنار القرى ثم تفرقوا على غير راي ومنهم عبد الله بن زيد الخزرجي …. فلما دخل على أهله فقالوا: الا نعشيك؟ قال: لا أذوق طعاما. فاني قد رأيت رسول الله قد أهمه أمر الصلاة.  فذهب للنبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله، إنه طاف بي هذه الليلة طائف، مر بي رجل عليه ثوبان أخضران، يحمل ناقوسا في يده، فقلت له: يا عبد الله، أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قال: قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قال: قلت: وما هو؟ قال: تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.)، فأَمر النبيُّ محمد بلال بن رباح أَن يؤذِّن على ما رآه عبد اللّه.

 

أولا: التكبير:

اجعلوا النفوس تسبح في معاني كلمات الأذان التي تسمعها كل يوم خمس مرات.

كلمه (الله أكبر): كلمه عظيمه، وحسبها أنها تنبه المسلم إلى عظمه الله وجلاله وقدرته وسلطانه سبحانه وتعالى، كلمة كلها سعادة وفرح؛ فيكفي أنك بها تكفي همومك واحزانك على الكبير سبحانه، كلمة كلها اطمئنان لأن الطلب مهما كبر والحاجة مهما عظمت ظننتها كذلك فالله أكبر وأعظم من ذلك، كلمة تدل على كبرياء الله سبحانه وتعالى وزاد من حسنها وبهائها أنها جُعلت من الأجزاء المهمة في الأذان تصدح بها الحناجر، ويتردد صداها في الآفاق. وقد ارتبط التكبير بثلاث من أركان الإسلام:

فقد ارتبط بالصلاة ارتباطا وثيقا: دعوة لها واشارة لانتقالاتها وتسبيحا بعدها، كما أنه ارتبط بالصيام والحج.  وهو يعني أن الله أكبر من ان نعرف كنه كبريائه وعظمته وأكبر من أن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله وأكبر من كل شيء، وفي ذلك اشارة الى ترك كل ما انت فيه والإسراع في اجابه النداء. الله أكبر الله أكبر الله أكبر يصدح بها المؤذن لتنتهي للوقوف بين يدي الله.

 

ثم الشهادتان: شهادة ان لا إله إلا الله ..

شهاده التوحيد، وعلامة الأمان للابد، فهنا وقت الاتصال بالعزيز العظيم ..

انه انتقال الناطق بهما من الشهادة إلى الشهود بمعنى: ان يشهد ألوهية الله سبحانه متجلية في بديع صنعه المتقن، وربوبيته المتجلية في تدبيره لهذا الكون الواسع العظيم

 

ثم الشهادة للرسول صلى الله وعليه وسلم بالرسالة. فتذكر رسالته وتعبه ونصبه في سبيل فكاك من ربق النار..

 

هذا هو معنى الأذان الذي يتردد على اسماعنا خمس مرات في اليوم والليلة، وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة التامة؛ لأنه يشتمل على معاني: الايمان، والتوحيد، من وحدانية الله تعالى، والإيمان بنبوة محمد صلي الله وعليه وسلم، والايمان بالبعث، والحث على اقامة الصلاة التي هي أعظم الشعائر العملية في الاسلام فهي دعوه تامة لا نقص فيها ولا يعتريها تغيير، ولا تبديل، وهي باقيه الى يوم النشور بخلاف دعوات الدنيا فإنها دعوات ناقصة وهي معرضه للفساد.

وقد قال الامام القرطبي وغيره: (الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة، لأنه بدأ بالأكبرية وهي تتضمن وجود الله وكماله، ثم ثنى بالتوحيد ونفي الشرك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة، لأنها لا تعرف إلا من جهة الرسول، ثم دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى المعاد، ثم أعاد ما أعاد توكيدًا، ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت، والدعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإسلام، والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولة القول وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان).

 

الأذان دعوة لتجديد البيعة لله؛ الرب الذي منَّ علينا بالحياة..

الأذان دعوة للصمود إليه سبحانه السيد الصمد.

الأذان دعوة لتجديد لإتباع لنبينا صلى الله عليه وسلم ..

الأذان هو مراسم لقائنا بالله العظيم، القوي الذي بيده كل شيء سبحانه..

 

توقف بلال رضي الله عنه عن الأذان بعد وفاه النبي صلي الله وعليه وسلم الا يوما واحدا عند رجوعه من الشام وقد طلب منه عمر بن الخطاب رضي الله عنه الأذان فأذن حتى بلغ قوله: (أشهد أن محمداً رسول الله) فضج رضي الله عنه بالبكاء؛ ولم يستطع أن يكمل؛ فضج الناس بالبكاء شوقا إليه صلى الله وعليه وسلم..

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

انشر.. وشارك من تحب الخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال