الكافية الشافية

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، أحمده سبحانه بما هو له أهل من الحمد، واثني عليه و أؤمن به، وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لانعبد الا إياه، ولا نستعين الا به، ولا نسأل سواه، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبد الله ورسوله؛ النبي الكريم الهادي بإذن ربه الى صراط مستقيم، صراط من أنعم الله عليهم فزحزحهم عن النار، وأزلف الجنة لهم، وقربها إليهم، اللهم صلى وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، ورضي الله عن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

ماذا اقول عن الوافية التي تفي بما في القران العظيم من معاني؟

ماذا اقول عن الكافية التي تكفي الصلاة عن غيرها ولا يكفي عنها غيرها؟

ماذا اقول وعن الأساس التي بنيت على اشتملت على اساس المعاني والمطالب؟

ماذا اقول وعن الشفاء التي يُشفي بها من نوى  بها الشفاء؟

ماذا اقول عن الرقية التي اوصي رسولنا صلى الله وعليه وسلم بها وقال لاحد أصحابه (أدركها إنها رقية

 

ماذا اقول عنها وقد سماها نبينا صلى الله وعليه وسلم بفاتحة الكتاب، فاتحة للقران الكريم، فاتحة لكل سوره، فاتحة لكل صلاة، فاتحة لكتابتها في المصاحف.

أم القران: لان أم الشي ابتداءه وأصله.

أم الكتاب: فهذه الأم قد جمعت وحوت واشتملت على المعاني التي في القران العظيم من: الثناء على الله، والتعبد بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، وذكر الذات والصفات، والفعل والمبدأ والمعاش والمعاد.

السبع المثاني: سبع آيات، تثنى في كل ركعة أي: تعاد، يثنى بها على الله تعالى. استثنيت لهذه الامة فلم تنزل على من مثلها.

إنها المناجاة، إنها الشكر، إنها الدعاء، إنها التقوى.. إنها القران العظيم.

ماذا اقول عن هذه الكنز العظيم؟ سوره الفاتحة!

الفاتحة هي السورة التي جمعت كل الأمور العظيمة، فيها من: حب الله وتوحيده، وعبادته، والتوكل عليه الى الاحسان، والاجتماع على صراط مستقيم واحد. هي السورة التي قال الله عنها: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)؛ فجعلها الله عز وجل إحدى العطايا العظيمة التي من بها على نبيه صلى الله وعليه وسلم.

فكما أن الصلاة طريق الاتصال بملك الملوك سبحانه وتعالى. والفاتحة والتي جعلها الله ركنا من اركان الصلاة لا تقبل إلا بها فخصها الله من بين كل سور القران لتكون ركنا من اركان الصلاة.

 

فما هي هذه السورة العظيمة؟ وعلى ماذا تشتمل؟ والى ماذا تدعوا؟

ما يزال المرء يجمع المعاني من سورة الفاتحة، ولا يزال يعثر في كل مرة على جديد! لذا كانت الإحاطة بأكثر معانيها، وتتبع دقائقها، يحتاج إلى أمرين قل أن يتوافرا وهما: رسوخ في العلم، وطول زمان.

سورة أقسم الرسول صلى الله وعليه وسلم على عظمها وفضلها فقال: (والذي نفسي بيده ما أنـزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها؛ إنها السبع المثاني) [ورواه الترمذي وصححه]. قال ابن القيم في مدارج السالكين: (حتى قيل : أنزل الله مائة كتاب وأربعة كتب ، جمع معانيها في التوراة والإنجيل والقرآن ، وجمع معاني هذه الكتب الثلاثة في القرآن ، وجمع معاني القرآن في المفصل ، وجمع معاني المفصل في الفاتحة ، ومعاني الفاتحة في إياك نعبد وإياك نستعين) [مدارج السالكين]

وفي الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ كُنْتُ أُصَلِّي فَدَعَانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُجِبْهُ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي قَالَ: (أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ). ثُمَّ قَالَ: (أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ). فَأَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ قُلْتَ لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ) [البخاري]

 

فهل اغلق على قلوبنا؟ فأنستنا الحياة وزينتها، القرانَ ولذته؟!

لماذا نقرأ الفاتحة في اليوم أكثر من سبعة عشر مرة، ولا نتأثر بمعانيها؟ وهل أفضل حالنا أن نلتمس كتابا في التفسير لنطلع على بعض فضائلها، ولا نغوص في بحار معانيها!.

سورة لا يوجد فيها من أحكام تجويد القرآن الكريم ما هو: متعلق بالإخفاء او الاظهار او الإدغام، وما ذاك إلا تسهيلا للأمة في تلاوتها، حتى تفرغ للشغل بمقاصدها.

 

مقاصدها العظيمة:

سورة الفاتحة جمعت مقاصد القران الكريم، فمثلا:

مقصد التوحيد: فتعرف بالمعبود تبارك وتعالى بثلاثة اسماء هي مرجع الأسماء الحسنى، والصفات العليا إليها وهي (الله، والرب، والرحمن) وبنت السورة على الألوهية: (إياك نعبد) وعلى الربوبية: (وإياك نستعين) وعلى الرحمة: (اهدنا الصراط المستقيم)، والحمد لله يتضمنها جميعا فهو المحمود في ألوهيته وربوبيته ورحمته، (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ

(مالك يوم الدين) من جهات عديده منها قوله (اهدنا الصراط المستقيم )

مقصد الاعتقاد: قوله تعالى: (مالك يوم الدين) جمع معاني الايمان باليوم الآخر، واثبات المعاد وجزاء العباد بأعمالهم حسنها وسيئها، وتفرد الرب تعالى بالحكم في ذاك بين الخلائق، وأن حكمه بالعدل

مقصد العبادة: قوله تعالى: (واياك نعبد) جمع دقائق العبادات، وأنواع النسك.

مقصد السلوك: قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) تضمنت اثبات النبوات بالهداية وهي هداية البيان والدلالة ثم التوفيق والإلهام من الله، ولا سبيل الى البيان والدلالة الأمن جهة الرسل فاذا حصل البيان والدلالة والتعريف ترتب عليه هداية التوفيق وجعل الايمان في القلب، وتحببه إليه وذلك من الله تبارك وتعالى. ومن هنا نعلم اضطرار العبد إلى سؤال هذه الدعوة فوق كل ضرورة، فهي سؤال عن السلوك والواجب اتباعه، والأثر والازم اقتفاؤه،  بالإضافة إلى ما حوته من إشارة إلى قصص وأمثال تعالج به السلوك والحدب نحو سبيل الحق ومجانبة الباطل، وذلك في ختم السورة بذكر صنفين ذوي مسلكين غير مرضيين: الأول (المغضوب عليهم) لتتلوها سورة البقرة لتفصل حال المغضوب عليهم من اليهود، ولما غضب الله عليهم! لتشعر من تدبرها من المؤمنين بعد تلك الأمم الا يقع فيما وقعوا فيه من غضب الله وتلك سنة الله ماضية في خلقه (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا). والصنف الثاني صاحب المسلك غير المرضي (الضالين) لتتلو سوره البقرة سورة آل عمران لتتحدث عن النصارى وما يحملونه من ضلال!

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: (هَذَا بَابٌ مِنْ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَقَالَ هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ فَسَلَّمَ وَقَالَ أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ) [رواه مسلم]

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ ثَلَاثًا غَيْرُ تَمَامٍ) . فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ : اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ ؛ فإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : حَمِدَنِي عَبْدِي ، وَإِذَا قَالَ : { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي ، وَإِذَا قَالَ : { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } ، قَالَ : مَجَّدَنِي عَبْدِي – وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي – فَإِذَا قَالَ : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } قَالَ : هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ، فَإِذَا قَالَ : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } قَالَ : هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ قَالَ : سُفْيَانُ ، حَدَّثَنِي بِهِ الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَعْقُوبَ ، دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ مَرِيضٌ فِي بَيْتِهِ . فَسَأَلْتُهُ أَنَا عَنْهُ حَدَّثَنَا قُتيْبةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ ، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُريْجٍ ، أَخْبَرَنِي العلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَعْقُوبَ ، أَنَّ أَبَا السَّائِبِ ، مَوْلَى بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ صلَّى صَلَاةً فَلَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُفْيَانَ وَفِي حَدِيثِهِمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي). [رواه مسلم]

خالد عبد الكافي

إمأم وخطيب مسجد عائشة

انشر.. وشارك من تحب الخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال