نعمة الصحة والعافية

جلس بعض الأصدقاء في ساحة تشرف عليها القصور الوارفة؛ فقال أحدهما للآخر: لا علم إلى أي مدى سأتحمل هذاء الفقر المزعج؟ انظر يا صديقي كيف أعطى الله هؤلاء الأغنياء ولم يعطنا مثلهم! ..

فقال له صاحبه: هل تسمح لي بأن نذهب أنا وأنت سوياً إلى مكان قريب؟

فقال: نعم!

فذهب به إلى أحد المستشفيات، وأدخله قسم العناية المركزة، ثم قال له: أنظر!، هذا مريض يئن من شدة المرض، وذاك يصرخ من قوة الألم، والآخر يبكي، ورابع يعيش في غيبوبة بدون حس ووعي، وخامس ينزف الدم من جسده، وسادس لا يستطيع العيش الا بقناع الأكسجين على أنفه، والسابع معاق قد فقد قصوا من أعضائه، والثامن في غرفة سموها غرفه العزل حتى لا يعدي غيره.

فما كان من ذلك الصديق الغافل إلا أن حمد ربه واسترجع، وقال: يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك. (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ)

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ)

(وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ).

(وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ).

(وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ).

 

فنعمة العافية هي حاله من اكتمال السلامة بدنياً، وعقليا.

وليست تعني مجرد انعدام المرض، أو العجز لذلك جمع نبينا صلى الله وعليه وسلم شتان القول فقال في الحديث الذي رواه الترمذي في سننه: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا).

آمنا في سربه: أي امنا على نفسه وأهله وعياله، ومعافى في جسده: أي من الأمراض إذ صحيحا سالما من العلل والاسقام، وعنده قوت يومه: أي كفاية قوته وحاجته من وجه حلال، فكأنما حيزت له الدنيا: أي ضُمت وجمعت فمن جمع الله له بين عافية بدنه وقلبه مع كفاف عيشه بقوت يومه وسلامة أهله فقد جمع الله له النعم.

 

قال صلى الله عليه وسلم: (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ).

 

لقد كان رسول الله صلى الله وعليه وسلم يسأل ربه العافية في كل يوم من أيامه، فكان يقول صلى الله وعليه وسلم من ضمن اذكاره اليومية في الصباح والمساء: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ مِنْ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تحتي). وكان صلى الله وعليه وسلم يخصص الدعاء بالعافية لبدنه وسمعه وبصره نظرا لأهمية العافية في هذه المواضع المهمة فيقول صلى الله وعليه وسلم (اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري لاإله الا أنت).

يسال الله العافية في بدنه كله لأنه بالعافية يقوم الإنسان ويتحرك لطاعة الله، فسلامة الأعضاء من الآفات والأمراض بها يتمكن المرء من مزاولة الطاعات، واداء الواجبات.

والعافية هي نعمة الدنيا والآخرة، وهي من أجل نعم الله على العبد، ولباس العافية من اجمل الألبسة، واغلاها، لذا سأل النبي صلى الله وعليه وسلم من ربه العافية في بدنه وسمعه وبصره ..

 

فالسمع نعمة عظيمة ينعم الله بها على عباده، فمن فقدها فقد شيئا كثيرا وسأل ربه العافية في بصره يقول بكر بن عبد الله المزني رحمه الله: (يا ابن ادم إذا أردت ان تعلم قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك)، أغمض عينيك دقيقة واحدة وتخيل انك اعمى لا ترى شيئا في حياتك كلها، ستعلم فضل الله عليك بالعافية لك في بصرك.

قيل لرجل صالح من الصالحين وكان أعمى ماذا تتمنى؟ قال: أتمنى أن أبصر فقط لأرى قول الله سبحانه وتعالى: (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ)، فاني لا اتمنى شيئا إلا حينما أمر على هذه الآية وأقرأوها اتمنى أن أرى لان الله أمر بتمعن النظر فيها فقال (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) فتمنيت النظر إليها نظرة اعتبار وتفكر.

 

وروى الترمذي عن العباس بن عبد المطلب قال: (قلت: يا رسول الله؛ علمني شيئاً أسأله الله عز وجل، قال: سل الله العافية، فمكثت أياماً ثم جئت فقلت: يا رسول الله علمني شيئاً أسأله الله، فقال لي: يا عباس يا عم رسول الله: سل الله العافية في الدنيا والآخرة.) [وصححه الترمذي والألباني أيضاً].

ويقول صلى الله وعليه وسلم في الحديث الآخر: (أسألوا الله العفو والعافية، فإن أحدا لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية). [رواه الترمذي، وصححه الألباني]. بل لدرجه انه قال صلى الله وعليه وسلم: (ما من دعوة يدعو بها العبد، أفضل من: اللَّهم إني أسألك المعافاة في الدنيا والآخرة).

يقول أحد الصالحين: أكثروا من سؤال الله العافية فإن المبتلى وان اشتد بلاؤه لا يأمن ما هو أشد منه، وليس المبتلى بأحق بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء.

 

إن الرزق بدون عافية لا يساوي شيئا ولو كثر، وكل شيء بدون عافية لا يساوي شيء ولو شرف، لان مفتاح النعيم هو العافية، وباب الطيبات هو العافية، وكنز السعادة هو العافية، ومن رزق العافية فقد حاز نفائس الأرزاق كلها.. وقد قال تعالى (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ) بصيغة المفرد، ولم يجمعها فيقول: نعم الله، لأن النعمة الواحدة في ذاته نعم كثيرة.

(وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ).

 

كيف نضمن استمرار هذه العافية علينا؟

الجواب جاء من رب العالمين حين قال: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) اذا بالشكر تدوم النعم.

اشتري نفسك بالقول والفعل، وبالجسد والروح:

بالقول: أن تذكر نعم الله عليك فتشكر نعمة.. فالسرير الذي ننام عليه تستمتع به وتتنعم فيه فتشكر الله ثم تتذكر كم هم الناس الذي لا يجدون مثل هذا الفراش المريح ثم تشكر الله بقولك لأذكار النوم ثم تسعد بنومك وتشكر الله تعالى.. ومثلا تشكر الله أن استطعت الوصول إلى المسجد وانت معافى..

ولو طبقنا مثل هذا الأمر بشكل دائم في احوالنا وافعالنا كيف سيكون جمال الحياة الدنيا؟ وكيف ستكون حالنا حين دخولنا إلى المسجد ونحن سعداء أصحاء؟ نركع ونسجد بكل سهولة ويسر نجمع بين العافية البدن، وعافية الروح!.

ولو كان اولادنا وازواجنا لا يستيقظون في الصباح الا ويقولون في كل صباح: (للهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ، فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ).

تلك هي العافية الكاملة فلا يحتاج أن تحذرهم من أمور سيئة في حياتهم بقدر ما هم عليه من حرص على ما هم عليه من نعمة، ودوام شكرها.

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

انشر.. وشارك من تحب الخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال