خطر الإشاعات

أيها الاخوة الكرام..
كم دمرت من مجتمعات؟ وهدمت من أسر؟ وفرقت بين أحبة؟

كم أهدرت من أموال؟ وضيعت من أوقات؟!.
كم أحزنت من قلوب؟ وادمعت من أفئدة؟ وأوجدت من حسرة؟
كم أتلفت من أبرياء؟ وحطمت من عظماء؟ وأشعلت نار الفتنة بين الأصفياء؟
كم نالت من علماء؟ وعظماء؟
كم هدمت من بيت؟ وتسبب في جرائم؟
كم أثارت من فتن وبلايا، وحروبا ورزايا؟ وأذكت من نار وحروب؟
الغام معنوية، وقنابل نفسية، ورصاصات طائشة، تصيب أصحابها في مقتل! وتفعل في عرضهم ما لا يفعله العدو بهم.

حديثنا يا أحبة اليوم عن (خطر الشائعات)!

معنى الإشاعة: يقال (شاع) الشيء شيوعا، ومشاعا: ظهر وانتشر. ويقال: شاع بالشيء؛ أي: أذاعه.

والاشاعة هي: (الخبر ينتشر غير متثبت منه) قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) قال ابن كثير: “أي يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح”

ما هو تعريف الشائعات؟
ومن التعريفات للإشاعة أنها هي (الأحاديث والاقوال والأخبار التي يتناقلها الناس والقصص التي يرونها دون التثبت من صحتها أو التحقق من صدقها) ويكون منشأ هذه الإشاعة غالبا: خبرا من شخص أو خبرا من جريدة أو من مجلة أو خبرا من أذاعه أو خبرا قناة أو خبر من رسالة على الواتساب.

وقد أكد القرآن على هذا الامن بقول تعالى ـ متحدثا عن أهل مكة ـ : (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ).

وإذا اطمأن الإنسان وزال عنه القلق أصبح إنسانا سويا، نافعا لنفسه، ولمجتمعه. ويكفي في التدليل على ذلك ما حدث لام المؤمنين عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك. فعندما سمعت السيدة عائشة رضي الله عنها هذه الاتهامات الكاذبة وهذه الاشاعات المفتراة وهي زوج النبي صلى الله عليه وسلم وبنت الصديق رضي الله عنه أصابها الغم والحزن الشديدان وهي تفاجأ بالنبأ من أم مسطح وهي مهدودة من المرض فتعاودها الحمى وهي تقول لأمها في أسى: (سبحان الله! وقد تحدث الناس بهذا)! وفي رواية أخرى تسأل: (وقد علم به أبي؟) فتجيب أمها: نعم فتقول: ورسول الله صلى الله وعليه وسلم؟ فتجيبها أمها: نعم!) ويا لله لها رسول الله صلى الله وعليه وسلم نبيها الذي تؤمن به، وزوجها الذي تحبه. فتبكي رضي الله عنها بكاء شديدا حتى تظن أن البكاء فالق كبدها هذا ما تفعله الإشاعة على الفرد؛ فإنها تحول سعادته إلى حزن وألم شديدين، وايضا التأثير على أسرة عائشة رضي الله عندها بأكملها. ولاحظوا من نتحدث عنه أفضل وأكرم أسره على وجه الارض؛ فهذا النبي صلى الله وعليه وسلم يدخل على عائشة رضي الله عنها ويقول لها: (أما بعد؛ فانه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة؛ فسيبرئك الله تعالى وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله تعالى وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه) وهذا ابو بكر رضي الله عنه يفيض الالم على لسانه وهو الصابر المحتسب، القوي على الألم، فيقول: (والله ما رمينا بهذا في جاهلية افنرضى به في الاسلام؟)، وهي كلمة تحمل من المرارة ما تحمل حتى إذا قالت له ابنته الصابرة المحتسبة: (أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال في مرارة هامدة: (والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله وعليه وسلم) وهذه ام زوج الصديق رضي الله عنهما وهي تتماسك أمام ابنتها المفجوعة في كل شيء فتقول لها: (يا بنية، هوني على نفسك الشأن، فو الله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر الا أكثرن عليها، فتقول لها عائشة: أجيبي عني رسول الله صلى الله وعليه وسلم فتقول كما قال زوجها من قبل: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله وعليه وسلم) وها هو صلى اله عليه وسلم يثقل عليه العبء وحده، فيبعث إلى اسامة بن زيد؛ حبه القريب إلى قلبه، ويبعث إلى علي بن ابي طالب؛ ابن عمه وسنده؛ يستشيرهما في خاصة أمره، هكذا وصل الحال بأكرم أسرة على وجه الارض، جراء هذه الإشاعات المغرضة، والافتراءات الكاذبة. ثم تأتي براءة السيدة الطاهرة من فوق سبع سماوات .. (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ).. فقد كشفت الأقنعة، وكفارة من وحي الله وبراءة (لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) وقال تعالى: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ)

أيها الكرام .. الشائعة ضررها أشد من ضرر القتل؛ فالإشاعات من أهم الوسائل المؤدية إلى الفتنة، والوقيعة بين الناس. يقول تعالى (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) لأن القتل يقع على نفس واحده فيتلفها، أما الفتنة فتهدم مجتمعات بل كيانات ودول!
الشائعة يطلقها الجبناء، ويصدقها الأغبياء الذين لا يستخدمون عقولهم، ويستفيد منها الأذكياء بالعبرة والعظة.

هل تعلمون ماذا يسمي القران الكريم مطلقي الشائعات سماهم (المرجفين) والارجاف في اللغة: هو الاضطراب الشديد، ويطلق ايضا على الخوض في الاخبار السيئة، وذكر الفتن؛ لأنه يُنشأ اضطراباً بين الناس.
(لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا)

مطلقو الإشاعات يا عباد الله يتلونون كالحرباء، وينفثون سموهم كالحية، ديدنهم الإفساد، لؤماء الطبع، مرضى النفس، فاسدي التفكير، يتسرب الغل في أحشائهم؛ فلا يستريح حتى يفسد أو يؤذي ـ عافانا الله وإياكم ـ وذلك فلنحذر يا أحبة من أن نلطخ اسماعنا وابصارنا من شائعات باطلة لا تريد منا الا تفريق لبلادنا وأمننا واستقرارنا .. (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ)

خالد عبد الكافي
إمام وخطيب مسجد عائشة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال