الوحدة

حدث خلاف بين المصلين في أحد المساجد في شهر رمضان المبارك، وكان الخلاف بين فريق يرى أن يصلي التراويح ثماني ركعات، وبين فريق آخر يرديها عشر ركعات!

يقود ذلك لحقيقة وهي: أنه كم نحن بحاجة إلى أن نقدم الواجب على النافلة في أمور كثيرة في حياتنا.

عند ما يحدث نقاش سواء كان في التواصل الاجتماعي أو بشكل مباشر وأنا أعلم أن هذا النقاش قد يؤدي إلى قطع العلاقات؛ فلاترك هذا النقاش.

أليست الوحدة واجبة علينا جمعيا؟

أليس وقوفنا سداً منيعا أمام كل الهجمات الشرسة، والظالمة على بلادنا واجب علينا؟

اليس اتفاقنا مع ولاة أمرنا واجب علينا جميعا في أمتنا؟

 

 فلنحسن الوحدة!

أيها المؤمنون! إن أهم خصائص هذه الأمة أنها أمة واحدة، قال الله – عز وجل -: (وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)

ولذلك فإننا نقول: الوحدة بين المسلمين واجبة، بنصوص القرآن والسنة.

ولقد تنوعت أساليب القرآن والسنة في الدلالة على وجوب، فتارة تأمر بالوحدة أمراً صريحا كما في قول الله عز وجل (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)

قال القرطبي -رحمه الله _ “فإن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة، فإن الفرقة هلكة، والجماعة نجاة”، ورحم الله ابن المبارك حيث قال: “إن الجماعة حبل الله فاعتصموا منه بعروته الوثقى لمن دانا”

وأخرج الطبري عن عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه – قال: “حبل الله الجماعة

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة _ رضي الله عنه -: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا، يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّى اللَّهُ أَمْرَكُمْ، وَيَسْخَطُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ) [رواه مسلم]

وتارة تأمر بتحصيل أمور لا يمكن أن تحصل إلا بالوحدة، قال الله -عزوجل -: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)

وقال جل وعلا: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ)

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله وعليه وسلم -قال (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) [رواه مسلم]

 

فهذه الأدلة تأمر المسلمين بالأخذ بكل ما يزيد المحبة بينهم، والنهي عن كل ما يولد البغضاء في صفوفهم، وتأمرهم صراحة بأن يكونوا إخوة، ولا يمكن للمسلمين أن يكونون إخوة إلا إذا كانوا متحدين، فإن الأخوة ضد الفرقة والاختلاف.

 

أيها المؤمنون: ومن أساليب القرآن والسنة في الدلالة على وجوب الوحدة بين المسلمين: النهي الصريح عن الافتراق والاختلاف الذي هو ضد الوحدة والاجتماع. .

قال الله عز وجل: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)

قال الطبري: “يقول تعالي ذكره للمؤمنين به أطيعوا -ايها المؤمنون – ربكم ورسوله فيما أمركم به ونهاكم عنه، ولا تخالفوهما في شيء، ولا تنازعوا فتفشلوا يقول: ولا تختلفوا فتفرقوا وتختلف قلوبكم فتفشلوا يقول: فتضعفوا وتجبنوا وتذهب ريحكم”.

 

عباد الله: حذر الله عز وجل هذه الأمة من محنة الفرقة، وبين لهم أنها هي السبب المباشر في هلاكها، فقال عز وجل: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ)

 

ومن أساليب القرآن في الحث على الجماعة وإن كان لا يفيد الوجوب مباشرة أن الله جعل من أخص صفات المؤمنين بعضهم أولياء بعض فقال: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

والولاية يا عباد الله هي النصرة والمحبة والاكرام والاحترام، والكون مع المحبوبين ظاهرا وباطنا (المومن للمؤمنين كالبنيان يشد بعضه بعضا)

 

نرجو من الله أن يستيقظ المسلمون من نومهم، ويسارعوا إلى الأخذ بأسباب القوة، والعودة إلى الوحدة.

وتجنبا لذلك فإن العدو يحاول بكل جهد أن يقضي على كل منفذ يمكن أن يسلكوه، فيعود بهم إلى سابق عزهم وسالف مجدهم، وصدق الله عز وجل -اذ يقول: (إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا).

قال قتادة: “الحسنة هي الألفة والجماعة. والسيئة: الفرقة والاختلاف“.

 

الشريعة الاسلامية جاءت لتحصيل مصالح العباد في الدارين، وتحصيل هذه المصالح يكون يتحقق بجلب المصلحة، ودفع المفسدة، ولا يتم الواجب الا به فهو واجب.

وعليه فإننا نقول: إن وجوب تحقيق الوحدة بين المسلمين ثابت بنصوص الكتاب والسنة المتضافرة المتآزرة، وهذا الوجوب ثابت أيضا بالعقل، والنظر الصحيح.

 

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “وهذا الأصل العظيم: وهو الاعتصام بحبل الله جميعا، وأن لا يتفرق، وهو من أعظم أصول الإسلام، ومما عظمت وصية الله تعالى به في كتابه، ومما عظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب وغيرهم، ومما عظمت به وصية النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن عامة وخاصة”. مثل قوله: “عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة”. وباب الفساد الذي وقع في هذه الأمة بل وفي غيرها هو التفرق والاختلاف”.

 

يتحقق الازدهار في بلادنا وبلاد المسلمين لحمةً وقوةً، اقتصاداً وصناعةً، علماً وعملاً وغير ذلك والبداية تكون (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) فالبداية بطهارة القلب ثم الالتفات إلى من نعول فرسولنا صلى الله وعليه وسلم يقول (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) فلنحسن الوحدة في دواخلنا، وفي من حولنا، في وطننا، ومع ولاة أمرنا.

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال