التثبّت والتبيّن

كان رجل ذو صداقة حميمة برجل خير، وقد كانا أكثر من أخوين متعارفين فيما بينهما بشكل كبير، وزوجته تعرف زوجة الآخر وأولاده يعرفون أولاده أيضاً.. وذات يوم شاهد هذا الصديق زوجة صديقه تركب في سيارة مع رجل غريب، وهو يعرف إخوان هذه الزوجة واقاربها وكثيراً، وقد تكرر هذا الركوب، فأراد أن يتأكد من السيارة فإذا بها ذات سيارة صديقه وتحمل نفس الرقم! إلا أن الرجل غريب عنه، وأخذت الحيرة تعبث في عقل هذا الصديق: هل يحدث صديقة بما رأى؟ أم يحجم عن ذلك؟ ثم دله نداء خفي في نفسه إلى ضرورة التثبت والتبين في الأمر أولاً، فدنى من السيارة وقرأ الرقم بتأنٍ فإذا به رقم آخر، وليست هي زوجة صديقه!

حديثنا اليوم عن خلق التثبت والتبيّن.

فما أحوجنا إلى هذا الخلق الكريم؛ في زمن تُرمى فيه التهم جزافا، وتنقل فيه الإشاعات دون تثبت ولا تبين.

 

  • مفهوم التبين والتثبت؛

التثبت: هو التحري والتأكد من صحة الخبر قبل قبوله أو نشره.

فالمراد بالتبيّن والتثبّت: التأني والتريّث والبحث عن صحة الخبر، وعدم العجلة في نقله أو بناء الحكم عليه قبل تيقن صحته.

 

  • ما هو فضل التثبّت والتبيّن؛

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «التَّأَنِّي مِنَ اللَّهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ ». أخرجه البيهقي وحسنه الألباني.

(التأني من اللّه) أي التثبت في الأمور مما يحبه الله ويأمر به، لما فيه من وقاية للعبد من الزلل والخطأ. (والعجلة من الشيطان) أي من إغوائه ووساوسه. قال ابن القيم رحمه الله: (إنما كانت العجلة من الشيطان لأنها خفة وطيش وحدة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم، وتوجب وضع الشيء في غير محله، وتجلب الشرور وتمنع الخيور، وهي متولدة بين خلقين مذمومين: التفريط والاستعجال قبل الوقت).

وقد مدح الله الأناة والتثبت في الأمور، وأمَر بذلك، فقال الله تعالى: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6]. في قراءة الجمهور (فتبينوا) من التبين، وهو التأمل والتعرّف والتفحّص، وفي قراءة حمزة والكسائي: (فتَثبَّتوا)، من التثبّت، وهو الأناة وعدم العجلة، والتبصر في الأمر الواقع والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر.

قال العلامة الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله تعالى: “من الغلط الفاحش الخَطِر؛ قبول قول الناس بعضِهم في بعض، ثم يبني عليه السامع حُبًّا وبغضًا ومدحًا وذمًا، فكم حصل بهذا الغلط أمور صار عاقبتها الندامة، وكم أشاع الناس عن الناس أمورًا لا حقائق لها بالكلية، أو لها بعض الحقيقة فنمِّيَت بالكذب والزور، وخصوصًا مَن عُرفوا بعدم المبالاة بالنقل، أو عرف منهم الهوى، فالواجب على العاقل التثبت والتحرز وعدم التسرّع، وبهذا يُعرف دين العبد ورزانته وعقله” اهـ.

فلابد من التثبت والتبين فيما يروج من أخبار وإشاعات، فالعاقل لا يعتمد على نُقول الناس وأقوالهم وأفعالهم، فإن تناقل القول بين الناس ليس دليلًا على صحته..

 

  • التثبت والتبين من أخلاق الأنبياء والمرسلين؛

محمد صلى الله عليه وسلم قدوة في التثبت والتبين:

روى مسلم في صحيحه عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، طهرني. فقال: « ويحك، ارجع فاستغفر الله وتب إليه». قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ويحك، ارجع فاستغفر الله وتب إليه». قال فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فيمَ أطهرك». فقال: مِن الزنى. فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم «أبه جنون؟». فأخبر أنه ليسبمجنون. فقال: «أشرب خمرا؟». فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أزنيت؟». فقال نعم. فأمَرَ به فرُجم…

فهذا درس لنا في وجوب التثبت والتبين قبل اتخاذ أيّ قرار قد يعود على المرء بالندامة نتيجة تهوره وعجلته.

سليمان عليه السلام وتثبته من خبر الهدهد:

قال تعالى في قصة سليمان مع الهدهد: ﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾ [النمل: 20- 27]. سنبحث في الأمر لعلك تكون قد كذبت، أو أخطأت، أو وهمت، لعل في الأمر التباسا وغموضا = ﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾ [النمل: 27]. ويا ليت الناس اتخذوا هذا شعارا لهم، كلما جاءنا رجل يقول: فلان قال، وفلان فعل، وفلان متهم، وفلانة وقع لها كذا وكذا = لو أجبنا كل واحد يسعى بين الناس بالقيل والقال بهذه الكلمة، سننظر، سنبحث، سنتأكد ﴿ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾ لو اتخذنا هذا شعارا لنا في الحياة، لقطعنا الطريق على أصحاب النميمة والوشايات الكاذبة الذين يسعون بين الناس بالفساد والإفساد، ولانتهت أكثر الخصومات والنزاعات بين الناس، لأن معظم النزاعات والخصومات التي تقع بين الناس مبنية على إشاعات تتناقلها الألسن دون تثبت ولا تبين، فتَنتُج عنها الكراهية والقطيعة والخصومات…

 

التثبت والتبين من أخلاق الصالحين المتقين؛

فالعبد الصالح حريص على ما يَصلحُ به دينُه وعرضُه وتصلحُ به حياته، ينأى بنفسه عن كل ما يؤذيه أو يؤذي غيره. لا تغريه الكلمات البراقة الخداعة، ولا ينخدع بالوشايات والإشاعات.

أخرج الإمام أحمد عَنْ أَبِى ظَبْيَانَ الْجَنْبيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أُتِيَ بِامْرَأَةٍ قَدْ زَنَتْ، فَأَمَرَ بِرَجْمِهَا، فَذَهَبُوا بِهَا لِيَرْجُمُوهَا، فَلَقِيَهُمْ عَلِيٌّ فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ قَالُوا: زَنَتْ فَأَمَرَ عُمَرُ بِرَجْمِهَا. فَانْتَزَعَهَا عَلِيٌّ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَرَدَّهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: مَا رَدَّكُمْ؟ قَالُوا: رَدَّنَا عَلِيٌّ. قَالَ: مَا فَعَلَ هَذَا عَلِيٌّ إِلاَّ لِشَيْءٍ قَدْ عَلِمَهُ. فَأَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ فَجَاءَ وَهُوَ شِبْهُ الْمُغْضَبِ، فَقَالَ: مَا لَكَ رَدَدْتَ هَؤُلاَءِ؟ قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَعْقِلَ»؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنَّ هَذِهِ مُبْتَلاَةُ بَنِي فُلاَنٍ، فَلَعَلَّهُ أَتَاهَا وَهُوَ بِهَا. فَقَالَ عُمَرُ: لاَ أَدْرِى. قَالَ: وَأَنَا لاَ أَدْرِى. فَلَمْ يَرْجُمْهَا.

ولما دخل رجل على عمر بن عبدالعزيز رحمه الله وذكر له عن رجل شيئا، قال له عمر: إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية: ﴿ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾ [الحجرات: 6]، وإن كنت صادقا فأنت من أهل هذه الآية: ﴿ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ [القلم: 11]، وإن شئت عفونا عنك؟. فقال: العفوَ يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبدا).

قال أبو إسحاق القيرواني: (قال بعض الحكماء: إياك والعجلة، فإنّ العرب كانت تكنّيها أمّ الندامة؛ لأنّ صاحبها يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أن يفكّر، ويقطع قبل أن يقدّر، ويحمد قبل أن يجرّب، ويذمّ قبل أن يخبر، ولن يصحب هذه الصفة أحد إلّا صحب الندامة، واعتزل السلامة).

قد يدرك المتأني بعض حاجته

وقد يكون مع المستعجل الزلل

وربما فات قوما بعض أمرهم

من التأني وكان الحزم لو عجلوا

 

 في التثبت والتبين نجاة من الفتن؛

تزداد أهمية التثبت، وتعظم الحاجة إليه في زمن وقوع الفتن، واضطراب الأحوال، واختلاط الحق بالباطل، والصدق بالكذب، لما يستَدعيه زمن الفتن والشرور من كثرة الكذب والافتراء.

فالفتن إنما تظهر بالإشاعات والأباطيل، وتنتشر بالقال والقيل، مع خفة عقلٍ في نَقَلَتِها، ورِقَّةِ دين، تمنعهم من امتثال أمر الله تعالى بالتثبت وترك العجلة. ولتجدنَّ أشدَّ الناس حِدَّة في الطبع، وإعجابًا بالنفس، وتعصبًا للرأي؛ هم أولئك الذين لا يتثبتون ولا يتبيَّنون، فيغلب عليهم الشطط والكِبْر، وعدمُ مراعاة الناس، والجميع عندهم جَهلة لا يعلمون، وهم العارفون العالمون.

فحمل المسلمين على العدل وحسن الظن بهم هو الأصل الذي لا ينبغي العدول عنه إلاَّ بمثله من اليقين، أما بمجرد أقوالٍ تقال وتذاع لا يُدرى من أي رأس خرجت، ولا على أي أرض درجت؛ فجريمة يُسأل صاحبها عنها، مفضية إلى الندامة في الدنيا قبل الآخرة.

ولو فرض صحة الخبر يقينًا، فإنه يبقى بعد ذلك النظر في مصلحة نشره من عدمها، فإنه ليس كل ما يُعلم يقال، وإن من الأخبار ما لا يُلقى إلاَّ إلى الخاصة الذين يُصلحون في الأرض ولا يفسدون.

وليُعلمْ أن هتكَ الأستار، ليس من الإصلاح في شيء؛ فإن الله تعالى أمر بالستر والنصح، وأَمْرُه سبحانه هو الصلاح والإصلاح بعينه، وما خالفه فليس من الإصلاح في شيء.

 

في التثبت والتبين صيانة لكرامة المرء، ووقاية له من التهم الزائفة، والإشاعات الكاذبة. وفيه حماية للمرء من الزلل والخطأ، ومن إزهاق النفوس وإراقة الدماء.

وقد بلغ الأمر في ديننا بالتثبت والتبين حتى في مقام جهاد الأعداء وردّ كيدهم، إذ لا يجوز في ديننا أن يعتدى على نفس بشرية بريئة، حتى ولو كانت لغير مسلم، فما بالك إذا كان صاحبها مسلما، قال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [النساء: 94].

وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهما قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحُرَقَةِ من جُهينة، قال: فصبّحنا القوم فهزمناهم، قال: ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، قال: فكفّ عنه الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فقال لي: «يا أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله» قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوّذا، قال: «أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله» قال: فما زال يكررها علي، حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.

وفي رواية لمسلم: قال: قلت يا رسول الله؛ إنما قالها خوفا من السلاح. قال: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟». فمازال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ.

وفي رواية أخرى لمسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أقتلته؟». قال: نعم. قال: «فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟». قال: يا رسول الله استغفِرْ لي. قال: «وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ ». قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: «كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟».

والله الذي لا إله غيره؛ لو تأملنا هذا الحديث جيدا، وفهمناه حق فهمه ما كفّر مسلم مسلما، وما قتل مسلم مسلما. إذ كيف تكفّره وهو يقول لا إله إلا الله؟ وكيف تقتله وهو يقول لا إله إلا الله؟ وكيف تستبيح عرضه وماله وهو يقول لا إله إلا الله؟ «كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟». والعبد إنما يطمع أن يدخل الجنة وينجو من النار بقوله: لا إله إلا الله. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». وأنت تأتي يوم القيامة، ولا إله إلا الله تقف في وجهك تخاصمك بين يدي الله عز وجل، لأنك تكفر من يقول لا إله إلا الله، وتقاتل من يقول لا إله إلا الله، وتبغض من يقول لا إله إلا الله، وتعادي من يقول لا إله إلا الله…

فأين مِن هذا مَن يتعجّل فيحكم على كل من خالفه بالكفر والنفاق؟ لكنه الهوى والطيش والجهل…

 

وأخرج الحاكم والبيهقي عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَا: قَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ لِأَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمٍ الأسدي: أَلَا تَخْرُجُ فَتُقَاتِلَ مَعَنَا؟ – وكان مروان يقاتل الضحاك بن قيس – فَقَالَ: “إِنَّ أَبِي وَعَمِّي شَهِدَا بَدْرًا، وَإِنَّهُمَا عَهِدَا إِلِيَّ أَنْ لَا أُقَاتِلَ أَحَدًا يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. فَإِنْ أَنْتَ جِئْتَنِي بِبَرَاءَةٍ مِنَ النَّارِ قَاتَلْتُ مَعَكَ” قَالَ: فَاخْرُجْ عَنَّا، قَالَ: فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ:

وَلَسْتُ بِقَاتِلٍ رَجُلًا يُصَلِّي

عَلَى سُلْطَانِ آخَرَ مِنْ قُرَيْشِ

لَهُ سُلْطَانُهُ وَعَلَيَّ إِثْمِي

مَعَاذَ اللهِ مِنْ جَهْلٍ وِطَيْشِ

أَأَقْتُلُ مُسْلِمًا فِي غَيْرِ جُرْمٍ

فَلَيْسَ بِنَافِعِي مَا عِشْتُ عَيْشِي

 

 في التثبت والتبين وقاية للأسر من التفرق والتشتت وقطيعة الرحم؛

فكم من أسر تشتت شملها بسبب وشايات وشائعات وأكاذيب، فرقت بين المرء وزوجه، فانهدم بنيان الأسرة ووقع الطلاق. ووقع الهجر والقطيعة بين الأقارب بسبب وشايات وأباطيل تنقل بين الأقارب والأحباب، ولا علاج لمثل هذه الأزمات إلا بالتبين والتثبت والإعراض عن النمامين والكذابين.

 

وفي التثبت والتبين وقاية للمجتمع من التمزق والتنازع والفرقة؛

فلا شك أن الشائعات والأكاذيب والتهم تمثل مصدر قلق في البناء الاجتماعي، والانتماء الحضاري لكل الشعوب والأمم، ولبثها ونشرها بين أفراد المجتمع آثار سلبية على تماسك المجتمع المسلم وتلاحم أبنائه وسلامة لحمته والحفاظ على وحدته.

ونقل الأخبار دون تثبت ولا تبين، وبث الإشاعات والأكاذيب بين الناس سلوك منحرف خبيث، مناف للأخلاق النبيلة، والسجايا الكريمة، والمثل العليا التي جاء بها الإسلام وحثت عليها شريعتنا الغراء من الاجتماع والمحبة والمودة والإخاء، والتعاون والتراحم والتعاطف والصفاء = التي قال عنها نبينا صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». أخرجه البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير. وهل الشائعة إلا نسف لتلك القيم، ومعول هدم لهذه المثل؟.

 

كما حرم الإسلام الغيبة والنميمة، والوقيعة في الأعراض، والكذب والبهتان.. وهل الشائعة إلا كذلك؟.

وأمر الإسلام بحفظ اللسان، وحرم القذف والإفك، وتوعّد محبي رواج الشائعات بالعذاب الأليم: فقال سبحانه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ [النور:19].

كل هذا وذاك حِفظا لكرامة الإنسان، وصيانة لوحدة المجتمع، وسدا لذريعة التفرق والتنازع. وقد قال ربنا سبحانه: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 103]. فواجب علينا أن نحافظ على هذه الأخوة الإسلامية، وواجب على كل فرد في المجتمع أن يحافظ على تماسك مجتمعه ووحدته.

 

في سياق حديث القرآن الكريم عن غزوة أُحد ورد قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران:128]، فأخبر سبحانه نبيه أنه ليس له من الحكم شيء في عباده إلا ما أمره الله به فيهم. يذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية قولين: الأول: أنها نزلت بسبب دعاء النبي صلى الله على بعض كفار قريش، لما آذوه، وفعلوا به ما فعلوا، والمروي في هذا روايات منها: – ما رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر، يقول: «اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا»، بعد ما يقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْء} إلى قوله: {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}، وفي رواية له أيضاً: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم، يقول في صلاة الفجر، ورفع رأسه من الركوع، قال: «اللهم ربنا، ولك الحمد في الأخيرة»، ثم قال: {اللهم العن فلاناً وفلاناً}، فأنزل الله عز وجل: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}.

فلنحذر يا أحبة من أن نوقع ألسنتنا في اتهام الناس، ولا نعلم ما هي منزلتهم عند الله سبحانه وتعالى.. لقد كان طلحة بن عبد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهما في صف، وكان في الصف الآخر علي بن أبي طالب رضي الله عنه.. فلنحسن الظن ببعضنا، ولنحذر من الدخول في النيات، وبناء الأحكام على ما في القلوب التي لا يعلمها إلا الله سبحانه..

 

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال