فضل كبار السن

أيها الإخوة الكرام.. الحياة لها جمال، وفيها من الزينة ما يسر الخاطر، ويسعد المتقي، فرسولنا صلى الله وعليه وسلم يقول “الدنيا حلوة خضرة “.  فما أن يخرج الإنسان لهذه الدنيا! الا ويعيش مرحلة الطفولة بجمالها، وبساطتها، وسلاستها (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، ثم بعد ذلك أتت مرحلة الشباب، فيالها من مرحلة تمتلئ فيها الحيوية والحماس والنشاط والجد والاجتهاد حتى يصل الإنسان أربعين سنه ليقول: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، فيأتيه الجواب من الكبير سبحانه وتعالى، المدهش في عطائه، (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ … عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ)..

هنا تأتي الحكمة، وحسن اتخاذ القرار فمتى ما كبر الإنسان في السن تأتي مع كبره: الخبرة، والأبوة الكبرى التي تمتلئ حصافة وعمقا، وخبرة. وللأسف أن البعض يرى أن هذه المرحلة هي مرحلة النزول والاستسلام نظرا للأمراض ودنوا الأجل؛ وهذا خطأ جسيم فكلنا يرى نماذج من كبار السن وهم يحافظون على ذهابهم إلى صلاة الفجر، وكذا يذهب بعضهم ليمارس الرياضة ليحافظ على صحته، وليستمتع بحياته وجمالها، و كثير منهم يشاركون في أعمال الخير المتنوعة.

 

موضوعنا اليوم يا أحبة عن “توقير كبار السن

دخل سليمان بن عبد الملك المسجد، فوجد في المسجد رجلا كبير في السن فسلم عليه وقال: يا فلان، تحب ان تموت؟ قال: لا ولم؟ قال: ذهب الشباب وشره، وجاء الكبر وخيره، فأنا إذا قمت قلت بسم الله واذا قعدت قلت الحمد لله، فانا احب ان يبقي لي هذا.

 

(من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا)

 

تضافرت الأحاديثُ الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الخير مع الأكابر، والبركة مع كبار السن، وأن المؤمن لا يزاد في عمره إلا كان خيرًا له، إضافة إلى أن المسن المؤمن له مكانة خاصة، تتمثل في التجاوز عن سيئاته، وشفاعته لأهل بيته؛ فلقد روى أبو هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يتمنى أحدُكم الموتَ، ولا يدعو به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمنَ عمرُه إلا خيرًا).

وروى أبو هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خيارُكم أطولكم أعمارًا، وأحسنكم أعمالًا).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الخير مع أكابرِكم)، وفي رواية: (البركة مع أكابركم).

عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما مِن مُعمَّر يُعمَّر في الإسلام أربعين سنة إلا دفع الله عنه أنواع البلاء: الجنون، والجذام، والبرص، فإذا بلغ الخمسين هوَّن الله عليه الحساب، فإذا بلغ الستين رزقه الله الإنابة إلى الله بما يحب الله، فإذا بلغ السبعين أحبه الله وأحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين كُتبت حسناتُه ومُحيت سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وكان أسيرَ الله في أرضه، وشفع في أهل بيته).

فقد أوجب نبينا صلى الله عليه وسلم احترام كبار السن، والسعي في خدمتهم؛ فرُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: جاء شيخ يريد النبي صلى الله عليه وسلم فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف ويَنْهَ عن المنكر).

كما أورد الهيثمي عن معاذ بن جبل: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أتاكم كبير قوم فأكرموه).

 

طيب معاملته صلى الله عليه وسلم للكبار:

إن مِن حقوق الكبير في الإسلام أن يُحسَن معاملاته، بحسن الخطاب، وجميل الإكرام، وطيب الكلام، وسديد المقال، والتودد إليه؛ فإن إكرام الكبير وإحسان خطابه هو في الأصل إجلال لله عز وجل؛ فقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن مِن إجلال الله: إكرامَ ذي الشيبة المسلم).

وفي رواية عن ابن عمر موقوفًا: عن ابن عمر، قال: (إن مِن أعظم إجلال الله عز وجل: إكرامَ الإمام المقسط، وذي الشيبة في الإسلام).

عن عبد الله بن بسر: أن أعرابيًّا قال: يا رسول الله، مَن خيرُ الناس؟ قال: (مَن طال عمرُه، وحسُن عمله).

بل جاء في حديث آخر: (أن الله يصطفي من عباده بعضهم بإطالة العمر وإحيائهم في عافية إلى أن يقبِضَ أرواحهم).

قال ابن كثير وهو يترجم للمحب الطبري؛ -وهو إمام شافعي كبير، من أجل الأئمة الشافعية، كان مزاحاً دعوباً، وكان متقياً لله عز وجل- يقول: ركب معه شباب في سفينة، فلما اقترب من الشاطئ قفز من السفينة إلى الشاطئ، وحاول الشباب أن يقفزوا فما استطاعوا، فقالوا: كيف استطعت أن تقفز وأنت في الثمانين، ونحن شباب لم نستطع؟ قال: (هذه أعضاءٌ حفظناها في الصغر فحفظها الله لنا في الكبر) صدق الرسول صلى الله وعليه وسلم: (احفظ الله يحفظك).

 

ضعيف القوى، قليل الحركة، يعجز عن المشي والحركة السريعة، فيتقدم الى الامام بطيئا، ويتوكأ على العصى.. فأن الإنسان يمر بثلاث مراحل رئيسية في دورة حياته: ضعف، ثم قوة، ثم ضعف، ولكن هذا الضعف الأخير هو الشيخوخة والكهولة (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ)، وهذه المرحلة التي تختلف المعاناة فيها من شخص لآخر، فمنهم من هو محافظا على صلاته، والروح الجميلة، والرياضة، ومنهم من هو مثلاً لم يحافظ على ذلك.. ثم يكون الختام مصير كل حي بعد ذلك.

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال