الجمال في خلق الله

أيها الإخوة الكرام .. لقد كرمنا الله تعالى في هذا الأيام بنعمة الأمطار التي طالما انتظرناها، يقول الله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وكما اهتزت الأرض، وربت كذلك القلوب اهتزت فرحا وسرورا وبهجة، وربت بهذا الجمال البديع.

يقول تعالى: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ).

فليس كل صاحب بصر هو صاحب بصيرة، فعندما يسير الإنسان في هذه الأرض ولا يتأمل و لايتفكر فإنه قد أزال من قلبه النظر، وأزال عنه متعة الجمال الذي أحسن الله فيه، وابدعه وجمله.

 

حدينا اليوم يا عباد الله عن (الجَمال)

الجمال: هو صفة الحسن في الأشكال والأخلاق، وهو ما يبعث في النفس شعورا بالإعجاب والسرور والرضا.

 

وهل الله يحب الجمال؟

بالتأكيد الله يحب الجمال، يقول رسول الله صلى الله وعليه وسلم: “إن الله جميل، يحب الجمال“، ومن جماله وحبه للجمال سبحانه أن جعل في كل شيءٍ من جمالاً.

تأملوا كل ما هو حولنا ولنبحث فيه عن الجمال، وكم ستحمل قلوبنا من جمال: اللون، والشعور بالسرور، والرضا والسعادة.

 

(المؤمن.. عميق الاحساس بالجمال في الكون والحياة ..).

 

والإنسان الذي ينظر في القرآن يرى بوضوح أنه يريد أن يغرس في عقل كل مؤمن وقلبه الشعور بالجمال المبثوث في أجزاء الكون من فوقه ومن تحته ومن حوله، في السماء والأرض والنبات والحيوان والإنسان، ففي جمال السماء يقرأ قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ) [ق: 6]، (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) [الحجر:16].

وفي جمال الأرض وبنائها يقرأ: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) [ق: 7]،

وفي جمال الحيوان يقرأ عن الأنعام: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) [النحل: 6].

وفي جمال الإنسان يقرأ: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) [غافر : 64]، (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ) [الانفطار: 7 -8].

 

لذا لما كان الجمال من حيث هو محبوباً للنفوس معظماً في القلوب؛ لم يبعث الله نبياً إلا جميل الصورة حسن الوجه كريم الحسب حسن الصوت، كذا قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وكان النبي أجمل خلق الله وأحسنهم.

 

والجمال بين الزوجين: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: 228]، فيأتي التجمل والتزين من كل طرف حتى يتحبب إلى الطرف الآخر، ولذا كان عبد الله بن العباس يقول: “إني أحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي“.

ولا ريب أن ألوان الجمال السابقة لا تكتمل ولا تتم إلا بجمال الصوت؛ فليس يخفى ما للصوت من تأثير على القلوب، فحين نسمع تلاوة القرآن أو نسمع إنشاداً أو إلقاءً من صوت جميل يكون تأثرنا أشد مما لو سمعنا نفس المقاطع عن صوت آخر؛ لذا كان رسول الله يقول: “زينوا القرآن بأصواتكم“، وكان يقول: “الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً“، وكان يقدم بلالاً على غيره من الصحابة للأذان لأنه أندى صوتاً.

بل كان يدعو أيضاً إلى جمال الأسماء؛ فهي من أنواع الجمال الموجبة للمحبة، والاسم الحسن مكمّل للشكل الحسن ومكمّل للصوت الحسن؛ يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم، فأحسنوا أسماءكم“. لذلك كان الرسول صلى الله وعليه وسلم يغير الاسم القبيح، فمر على قرية! اسمها عفرة فسماها (خضرة)، وغير اسم يثرب إلى (المدينة وطابه طيبة)، وغير اسماء الأشخاص، فقال لـ (حزن) “بل انت سهل”، و قال لـ(عاصية) “بل انت جميلة”

 

وكان هو الأجمل جهاً كما قال البراء بن عازب، وقد سئل: أكان وجه رسول الله مثل السيف؟! قال: “لا، بل مثل القمر“. وفي صفته -صلى الله عليه وسلم- كأن الشمس تجري في وجهه، يقول واصفه: لم أر قبله ولا بعده مثله، كذلكم كان يوسف -عليه السلام-، وقد رآه -صلى الله عليه وسلم- ليلة الإسراء وقد أعطي شطر الحسن.

وقال عنه حسان بن ثابت رضي الله عنه:

وَأَحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني  ***  وَأَجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِساءُ

خُلِقتَ مُبَرَّءً مِن كُلِّ عَيبٍ  ***  كَأَنَّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشاءُ

 لذلك قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ، وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ؛ حَتَّى تَكُونُوا كَالشَّامَةِ فِي النَّاسِ). [رواه أحمد، أبو داوود].

وقال الله تعالى (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِد) [الأعراف: 31]،

 

ومع اهتمام الاسلام بالجمال الظاهر للإنسان فإن هذا الجمال الظاهري لا يغني عنه شيئا عند الله، اذا كان قبيح الباطن فجمال الباطن اهم من جمال الظاهر.

لقى رجلٌ رجلاً اخر أنيقاً جداً يرتدي أجمل الثياب، ويتكلم كلاماً بذيئاً، قال له أحدهم: (إما أن ترتدي ثياباً ككلامك، أو تتكلم وفق ثيابك).

 

يقول ابن تيمية: “والجمال الذي للخُلُق من العلم والإيمان والتقوى أعظم من الجمال الذي للخَلق وهو الصورة الظاهرة“.

 

إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم“، وهذا الجمال الباطن يزين الصورة الظاهرة ..

ثم الذي خلق هذا الجمال فأحسن كل شيء خلقه كيف بجماله سبحانه وتعالى، وكماله وجلاله فهو ليس كمثله شيء في سائر صفاته.

ولو فرضت الخلق كلهم على أجمل صورة، وكلهم على تلك الصورة ونسبت جمالهم الظاهر والباطن إلى جمال الرب سبحانه، لكان أقل نسبة من سراج ضعيف إلى قرص الشمس، ويكفي في جماله سبحانه أنه لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحاته ما انتهى إليه بصره من خلقه.

ويكفي في جماله أن كل جمال ظاهر وباطن في الدنيا والآخرة فمن آثار صنعته، فما الظن بمن صدر عنه هذا الجمال؟!

ويكفي في جماله أنه له العزة جميعاً، والجود كله، والإحسان كله، والعلم كله، والفضل كله، ولنور وجهه أشرقت الظلمات كما قال النبي في دعاء الطائف: (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة)، وقال عبد الله بن مسعود: “ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه“، فهو سبحانه نور السماوات والأرض، ويوم القيامة إذا جاء لفصل القضاء تشرق الأرض بنوره، ومن أسمائه الحسنى: الجميل.

 

بل إن أفضل ما يُعطاه أهل الجنة رضوان الله والنظر إلى وجهه الكريم الجميل، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن الله تعالى يقول لأهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير كله في يديك، فيقول: هل رضيتم؟! فيقولون: وما لنا لا نرضى -يا رب- وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟! فيقولون: يا رب: وأي شيء أفضل من ذلك؟! فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً”.

قال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)

قال الحسن البصري: “نظرت الى ربها، فنظرت بنوره“.

 

عَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : “إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ فَيَقُولُونَ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ قَالَ فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ وهي الزيادة ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) [رواه مسلم]

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال