الوصول إلى الربوة

أيها الإخوة الكرام.. نسير جميعا في هذه الحياة الدنيا، وما نعمل من شيء إلا ونجاهد ونبذل ونجدُّ ونجتهد بكل ما نستطيع حتى نصل إلى أعلى قمته، وهذا شيء محمود ومطلوب أن نبذل ونجتهد؛ ولكن لو حرصنا للوصول إلى الربوة بدل القمة كان خيراً لنا لأن القمة لا تشمل الا أعداداً قليلة، أما الربوة فهي ذلك التل الهادئ الذي تشمل الفئام من الناس، وصدق الله إذا يقول:  (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ * يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)

 

“الوصول إلى الربوة”، طلب منَّا السعي فقال: (فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ)، (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا)، (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى) فالسعي مطلب للآخرة من: ذكرٍ، وعمل صالحٍ.

 

أما لفظ المشي فهو من متعلقات الدنيا قال تعالى: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)، (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا).

فلنسعَ إلى ذكر الله، والعمل الصالح: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).

ولنمشِ في الأرض هونا؛ لنسعد بما فيها من دون إقصاء أحد فيها لهدف الوصول إلى القمة بمفردنا، بل لنمشي فيها ونسعد جميعاً بوصولنا جميعاً الى تلك الربوة.

جميل يا أحبة من الطالب الذي سيختبر بعد غدٍ أن يبذل كل ما لديه من أسباب حتى يصل على أعلى الدرجات؛ ولكن لا يجعل همه الانفراد عن أخيه المنافس له بالمركز الأول على المدرسة، وليصل إلى القمة وحده؛ بل يحرص على المركز الأول المكرر، وان لم يحصل عليه فليس هناك حاجة أن يجد التوبيخ من والده ووالدته لعدم حصوله على العلامة الكاملة، وليس هناك حاجة بأن يعيش أيام عزاءٍ وبكاءٍ لعدم تحقيق ما كان متأهلاً له لأن ذاك قد يأتي بنتائج معاكسة.

الانتباه! واليقظة! فبذل الطالب كل ما يستطيع من وسع ليحصل على علامات عالية، هذا مطلب؛ ولكن عند صدور النتيجة بعلامات أقل من المأمول وقد بذل الطالب كل ما في وسعه من بداية السنة، فليس هناك حاجة إلى أن يغضب الأب ويزمجر لعدم حصول ولده على ما كان يتوقع منه.

يقول أحد العلماء: “نأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ونتوكل على الله وكأنها ليست بشيء“.

 

أيها الكرام لنسعد بلذة وجمال، وأن وقع تقصير في التعلم مع الحرص على عدم تكراره، فليس من العار ان تسقطوا ولكن من العار أن لا تستطيعوا النهوض.

 

عطروا أفواهكم بالصلاة والسلام على النبي محمد القائل: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجِز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَر الله وما شاء فعل؛ فإن “لو” تفتح عمل الشيطان) [رواه مسلم]

 

أيها الآباء والأمهات أولادنا يحتاجون منكم هذه الأيام إلى اللمسة الحانية، والكلمات التشجيعية، والعبارات التحفيزية؛ ليعيشوا معكم النجاحَ والفلاحَ كواقع ملموس في البيت؛ حتى يستطيعوا أن يضعوه في ورقه الامتحان. خذوا بأيديهم كي يسعوا إلى ذكر الله، وإلى الصلاة، وإلى قراءة القرآن، وإلى الدعاء، وإلى الديمومة في السعي في وجوه البر كلها في الرخاء والشدة. هيئوا لهم المكان المناسب، والبيئة المناسبة، وطوعوا المواسم الاجتماعية مع ظروفهم على قدر المستطاع.

 

أيها الطلاب والطالبات النية الصادقة؛ فلا تضيعوا هذا الجهد من دون نية التزود من الخير، ومع قصد التطوير والتأثير النافع في البلاد لتنالوا أجر الاجتهاد والعمل (إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا).

 

ابذلوا كل ما تستطيعون من أسباب؛ ولكن إياكم أن تنسوا أنها أسباب وأن المسبب هو الله.  ثقوا بربكم، (وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، واعملوا شكراً له.

الثقة بالنفس أهم مفاتيح النجاح. والإعداد المسبق والتحفيز الجيد أهم مفاتيح الثقة بالنفس، كلما عظم الهدف تصاغرت أمامكم التحديات، وكان الامتحان يسيراً إذا كان أثره عظيماً.

وعليكم بتنظيم الوقت، وتناول الأسئلة السهلة ثم الأصعب، (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ).

واحذروا من تمني زوال نعمة تفوق اقرانكم؛ بل تمنوا لهم كما تتمنوا لأنفسكم، ليس الوصول إلى القمة هو الهدف بل الوصول إلى الربوة ذات قرار ومعين.

ولتهنؤوا برفع درجاتكم عند الله: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).

 

اليوم يرقص مجد الجد مبتهجا … بعد التفوق حتى قال حادينا

يا فتية العلم نُلتُمْ خير جهدكمُ …وصرتُمُ اليوم فرسانا ميامينا

بالجد يبلغُ راعي العلم غايته … ويصعد المجد من يستعذب الطينا

 

اللهم صلي وسلم وبارك على البشير الهادي القائل: (منْ سَلَكَ طَريقًا يَبْتَغِي فِيهِ علْمًا سهَّل اللَّه لَه طَريقًا إِلَى الجنةِ، وَإنَّ الملائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطالب الْعِلْمِ رِضًا بِما يَصْنَعُ، وَإنَّ الْعالِم لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ منْ في السَّمَواتِ ومنْ فِي الأرْضِ حتَّى الحِيتانُ في الماءِ، وفَضْلُ الْعَالِم عَلَى الْعابِدِ كَفَضْلِ الْقَمر عَلى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وإنَّ الْعُلَماءَ وَرَثَةُ الأنْبِياءِ وإنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُورِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا وإنَّما ورَّثُوا الْعِلْمَ، فَمنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحظٍّ وَافِر)ٍ. [رواهُ أَبُو داود والترمذيُّ].

 

إن الوصول إلى الربوة مطلب ليس لطلابنا فقط بل هو مطلب لنا جميعا، فعلى كل عامل، وكل تاجر، وكل طالب علم، وكل اعلامي، وكل موظف، وكل مسؤول.. فعلينا جميعاً الوصول (إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ).

ماذا لو بذل كل واحد منا ما يستطيع من جهد، وأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم توكل على الله وكأنها لا شيء؛ كم من الآثار اليانعة، والغصون الدانية، التي ستنالها بلادنا الغالية، وأمتنا الواعدة.

(فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم).

 

اللهم يسِّر الامتحانات على أولادنا..

اللهم كن معهم وقت النسيان..

اللهم اشرح صدورهم، ويسر أمورهم، واحلل عقدة من ألسنتهم..

اللهم اجعل الامتحانات برداً وسلاماً على قلوب أولادنا..

اللهم بارك لنا ولأولادنا، وبارك في أرزاقنا، واكتب النجاح والفلاح والتوفيق لنا جميعا في الدنيا والاخرة..

 اللهم آمين..

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال