تحري الصدق والبركة

كان الصحابي الجليل جَرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه يريد ذات يوم أن يشتري فرساً من رجل، فجرَّب ذلك الفرس، فوجد أن هذا البائع قد أبخس ثمن الفرس فما زال يزيد في قيمته، حتى أوصله إلى ثمان مائة، بدلاً من كون قيمته في أول الأمر، والتي حددها صاحب الفرس بنحو من ثلاثمائة، وقال: إن فرسك يستحق أكثر من ذلك..

وفي عصرنا ـ ولله الحمد ـ قال لي رجل أثق فيه: أردت أن أبيع سيارتي فذكرت محاسنها وعيوبها بشكل واضح .. فرفض الوسيط ذكر تلك العيوب وقال: لو ذكرنا هذه العيوب لما اشتراها أحد ولو تم بيعها لكن الثمن قليل جدا.

فقال صاحب السيارة: لن أغش المشتري فأنا في غنى عن أن يمحق الله مني وأهلي البركة.

أفرحوا قلوبكم، وعطروا أفواهكم بالصلاة والسلام على رسول الله ﷺ الذي قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما).

 

أسئلة تأملية:

* هل في وقتنا بركة؟

* هل في مالنا بركة؟

* هل في علمنا بركة؟

* هل في صحتنا بركة؟

* هل في حياتنا بركة؟

يستحيل أن يمحق الله البركة من شيء ونحن ممتثلين للقاعدة النبوية بشكل صحيح: (فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما)، والله تعالى يقول: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا).

 

* لو أيقن الإنسان بهذه المعاني، وطلب البركة فعلاً لكانت أحواله قد تغيرت الشيء الكثير.

 

* أما ترون أحوال الناس الآن يأخذون أموالاً وتجارات، ويربحون في أسهم، ورواتبهم ورواتب زوجاتهم، وإذا جاء نصف الشهر ما عندهم شيء؟!

 

* قال: (وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما).

 

القضية بالبركة، فإذا زالت البركة تسأل الإنسان أحياناً تقول له: أين المال الذي كان عندك؟، هذه الأربعون ألفاً التي كانت عندك قبل أسبوعين أين ذهبت؟

يقول: والله لا أدري! ما أذكر إلا ثلاثة آلاف اشتريت بها الشيء الفلاني، ولا أدري كيف انتهت وتبخرت بهذه الطريقة من غير عائد يذكر.

هذا واقع نعيشه اليوم، فإذا رزق الإنسان الصدق فإنه تكون له البشرى عند الله، وتكون له البشرى في الحياة الدنيا، إذا باع بورك له في بيعه، وإذا اشترى بورك له في الشراء، وإذا تعامل مع أحد بورك له في هذه المعاملة، والناس إذا عرفوا صدقه تتابعوا على التعامل معه.

 

وصدق الله تعالى إذ يقول: (وَلَو أَنَّ أَهلَ القُرى آمَنوا وَاتَّقَوا لَفَتَحنا عَلَيهِم بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالأَرضِ وَلكِن كَذَّبوا فَأَخَذناهُم بِما كانوا يَكسِبونَ)، ويقول: (أَفَأَمِنَ أَهلُ القُرى أَن يَأتِيَهُم بَأسُنا بَياتًا وَهُم نائِمون)، ويقول: (أَوَأَمِنَ أَهلُ القُرى أَن يَأتِيَهُم بَأسُنا ضُحًى وَهُم يَلعَبونَ)، (أَفَأَمِنوا مَكرَ اللَّهِ فَلا يَأمَنُ مَكرَ اللَّهِ إِلَّا القَومُ الخاسِرونَ).

 

تخيل لو امتثلنا جميعاً لمطلب تحري الصدق والبركة في جميع أقوالنا وأعمالنا ماذا سيحدث من تغيير في: حياتنا، وبيئتنا، وصحتنا، ووفرة في العيش، ورغد في الحياة، وغير ذلك.

 

لننجح لابد أن نركز على مشروع: (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ).

 

وأخيراً.. يقول الله تعالى: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ).

 

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال