الكلمة الطيبة

مريض ذهب لإجراء عملية في القلب فدخلت عليه ممرّضة قبل إجراء العملية بزمن وجيز، لكن على مستوى رفيع جداً من الاقتدار في عملها، جاءت لتنسيق الزهور في غرفة المريض، فسألته: من طبيبك؟

فقال لها: فلان.

فدُهشت من قوله، وقالت له: فلان الطبيب!!

فقال لها: نعم.

فقالت له: وهل وافق أن يجري لك هذه الجراحة؟!

فقال لها: نعم.. فقد حضرت بناءً على موعد معه.

فقالت: هذا غير معقول! فليس لدى هذا الطبيب وقت كافٍ، وقد أجرى أكثر من عشرة آلاف عمليّة كلّها ناجحة.

كل ذاك الحوار مقصود من الممرضة، لترفع معنويات المريض، ويظهر له بعد ذلك أنّها ليست ممرِّضة بل هي طبيبة في علم النفس تقوم بدورها عملياً، لا شيء! غير كلمة طيبة، تهمس بها في أذن المريض.

 

يا أصحاب الكلمة الطيبة.. من الناس من يجلس إليك فيبثك كلمات: الفرح، والسرور، والبهجة، والسعادة. ويبحث عن الخير فيما حوله لينشره، وإن رأى الخطأ تحدث بقدر يوقف ذاك الخطأ، أو يقلله.

ومنهم من يجلس إليك فيبثك كلمات: الإحباط، والهلاك. فيشعرك بأن الظلام قد أحاط بك، والضيق قد إدلهم بك، والكرب قد أسدل ستاره عليك، والهلاك لا محالة مدركك! متناسياً قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا قال الرَّجلُ: هَلك النَّاسُ، فهو أهلكُهم” [رواه مسلم].

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والكلمة الطيبة صدقة” [متفق عليه].

 

إن كلماتنا تنعكس علينا، وعلى بيوتنا، وعلى مجتمعاتنا فإما أن: تبني، أو أن تهدم.

 

وصدق الله تعالى القائل: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: 10]،

– (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ) [الحج: 24].

بل يحثنا ربنا تعالى على أن نراعي الاختيار من الكلمات أحسنها وأفضلها: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا) [الإسراء: 53]

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) [متفق عليه]،

– (يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا) [متفق عليه].

– (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة) [رواه البخاري].

 

ما أجمل أن يكون الإنسان ذا كلمة طيبة مع الناس جميعاً، مع من عرف ومن لم يعرف، وأجمل منه صاحب الكلمة الطيبة مع أخص الناس به، وأولى بالجميل منه:

 

– الكلمة الطيبة مع الوالدين وإن قسواْ أو أغلظوا في الكلام والتعامل معه؛ فإن لهما حقاً في حسن الخطاب، قال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) [الإسراء: 23].

 

– الكلمة الطيبة بين الزوجين، خير من التراشق بالألفاظ الجارحة، والكلمات النابية التي قد توصل إلى ما لا تحمد عقباه. بل حتى حال الفراق بينهما، ووقوع الطلاق، يقول تعالى: (لَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [البقرة: 237]

 

– الكلمة الطيبة بين الإخوة والأخوات، وبين الأقارب والأرحام.

 

– الكلمة الطيبة بين الجيران في المنازل، والأسواق، والوظائف وأماكن العمل.

 

– الكلمة الطيبة بين المدير وموظفيه، والمعلم وتلاميذه، والسائقين والراكبين، وبين الباعة والمشترين.

 

– الكلمة الطيبة بين الغني للفقير، فقد قال تعالى: (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) [الضحى: 10]، (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) [البقرة: 263].

 

– الكلمة الطيبة بين المختلفين، ومع المخالفين حتى مع الكفار، قال تعالى: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه: 34-44].

وقد قيل: تصدى رجل للرشيد، فقال: إني أريد أن أغلظ عليك في المقال، فهل أنت محتمل؟

قال: لا؛ لأن الله تعالى أرسل من هو خير منك إلى من كان شراً مني! فقال: (فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه: 44].

– الكلمة الطيبة مع الحيوان، عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: “خذوا ما عليها، ودعوها، فإنها ملعونة“، قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد. [رواه مسلم]

 

– الكلمة الطيبة مع الجماد أيضاً، عن ابن عباس رضي الله عنه أن رجلاً لعن الريح عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: “لا تلعن الريح، فإنها مأمورة، من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه” [رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث غريب، لا نعلم أحداً أسنده غير بشر بن عمر].

 

خلاصة ما سبق: أنه ليس هناك مجال للكلمة الخبيثة في حياة المسلم.

 

– قد خصَّ الله أهل التفرُّد بالكلام الطيب، والعمل الصالح بمنزلة في الجنة هي لهم من سائر الناس، عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ في الجنةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُها من باطِنِها، وباطِنُها من ظَاهِرِها“، فقال أبو مالِكٍ الأَشْعَرِيُّ: لِمَنْ هيَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: “لِمَنْ أَطَابَ الكَلامَ، وأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وباتَ قائِمًا والناسُ نِيامٌ” [صحَّحه الألباني في صحيح الترغيب].

 

– بمعرفة نقيض الشيء يعرف مقامه، فالكلام الفاحش وبذاءة اللسان لها أعظم الأثر في أعمال العبد، فقد تكون حجابًا مانعًا من القبول عند الله؛ ففي الحديث قال رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ فُلانةَ يُذكَرُ مِن كَثرَةِ صَلاتِها، وصيامِها، وصَدَقتِها، غَيرَ أنَّها تُؤذي جيرانَها بلِسانِها، قال: “هي في النَّارِ“، قال: يا رسولَ اللهِ، فإنَّ فُلانةَ يُذكَرُ مِن قِلَّةِ صيامِها، وصَدَقتِها، وصلاتِها، وإنَّها تصَدَّقُ بالأثوارِ مِنَ الأقِط، ولا تُؤذي جيرانَها بلِسانِها، قال: “هي في الجنَّةِ” [صحيح الترغيب؛ الألباني].

وعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ” [رواه البخاري].

 

وقال لقمان الحكيم: “إن من الكلام ما هو أشدُّ من الحجر، وأنفذ من وخز الإبر، وأمرُّ من الصَبِر، وأحرُّ من الجَمر. وإن من القلوب مزارع، فأزرع فيها الكلمة الطيبة؛ فإن لم تنبت كلها ينبت بعضها“.

 

قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ* وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ* يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخرةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ) [إبراهيم: 24-27]

 

خالد عبد الكافي

إمام وخطيب مسجد عائشة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خدمة رسائل الجوال